
ليست الدولة مجرد كيان قانوني جامد، أو خريطة جغرافية محاطة بحدود، ولا هي فقط مجموعة من المؤسسات البيروقراطية. فإذا أمعنا النظر في تاريخ الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع، سنكتشف أن الدولة تشبه الكائن الحي؛ تمتلك جسداً، ووعياً جماعياً، والأهم من ذلك، تمتلك غريزة.
غريزة الدولة الأساسية هي غريزة البقاء والتمدد؛ غريزة تدفعها باستمرار للحفاظ على احتكار العنف، وضمان النظام، وإعادة إنتاج ذاتها. ولكن كيف تمارس الدولة هذه الغريزة؟
إنها لا تفعل ذلك بشكل خطي أو ثابت، بل تتحرك عبر إيقاع مزدوج ومتناقض ظاهرياً:
1. إيقاع التجلي: حيث تكشف الدولة عن أنيابها وحجمها.
2. إيقاع الاختفاء: حيث تتبخر الدولة لتتسلل إلى خفايا الحياة اليومية.
أولاً: غريزة التجلي: حين يستيقظ وحش الدولة لحظة التجلي وهي اللحظة التي تقرر فيها الدولة أن تعلن عن وجودها المادي والمعنوي. إنها اللحظة التي يبرز فيها الوحش بأنيابه ومخالبه من عرينه، ليذكر رعاياه بأنه لا يزال حياً، ويمتلك أنياباً للافتراس ومخالب للفتك.
وتتجلى الدولة في لحظات الأزمات والحروب، وعند الحدود، وفي قاعات المحاكم، وفي طوابير دفع الضرائب. فالتجلي هنا هو الاستعراض؛ هو الموكب العسكري، هو بناء النصب التذكاري، هو إصدار القانون الذي يغير سلوك الأفراد بالقوة. ففي لحظة التجلي، تكون الدولة شيئاً يمكن رؤيته، ولمسه، والخوف منه.
الفيلسوف “جورجيو أغامبين” يصف أرقى أشكال تجلي الدولة بحالة الاستثناء ؛ تلك اللحظة التي تعلق فيها الدولة القانون لتحافظ على الدولة، فتكشف عن وجهها العاري كسلطة مطلقة تقرر من يعيش ومن يُترك للموت. في التجلي، تقول الدولة بصوت عالٍ: “أنا هنا، وأنا أملك الحق في أن أقرر مصيرك”.
ثانيا: غريزة الاختفاء: السلطة التي تتبخر في الهواء ولكن، لو استمرت الدولة في التجلي الدائم والعنف المباشر، لاستهلكت طاقتها وواجهت مقاومة دائمة. هنا يتدخل الوجه الثاني من الغريزة: الاختفاء.
فالاختفاء ليس ضعفاً للدولة، بل هو أرقى أشكال هيمنتها. فكيف تختفي الدولة؟
إنها تختفي لتتسلل إلى “اللاوعي” الجمعي، وتتبخّر في الهواء الذي نتنفسه.
1. الاختفاء في الأيديولوجيا والمؤسسات: كما يقول “لويس ألتوسير”، تختفي الدولة لتظهر في الأجهزة الأيديولوجية: في المدرسة، والكنيسة، والمسجد، والمواسم، والأسرة، والإعلام. هنا لا تحتاج الدولة إلى شرطي يحمل هراوة؛ فالمواطن هو من يراقب نفسه ويضبط سلوكه طوعاً.
2. الاختفاء في السوق النيوليبرالية: في العصر الحديث، تمارس الدولة غريزة الاختفاء من خلال الانسحاب الظاهري من الاقتصاد والرعاية الاجتماعية الخوصصة، لتوهم الفرد بأنه “حر” ومسؤول عن مصيره وحده.
الدولة تتنحى عن كونها “أماً” لتتخفى في ظلال السوق.
3. الاختفاء في الخوارزميات والبيانات:
اليوم، لم تعد الدولة تحتاج إلى سجن المراقبة المركزي الذي تحدث عنه الفيلسوف “ميشيل فوكو”. فالدولة اختفت في هواتفنا الذكية، وفي خوارزميات التنبؤ، وفي كاميرات المراقبة الذكية، وفي بصماتنا الرقمية. فالسلطة أصبحت غير مرئية، لكنها مطلقة الحضور.
ثالثاً: الجدلية بين الاختفاء والتجلي: الاختفاء كشرط للتجلي تكون فيه العلاقة بين التجلي والاختفاء ليست علاقة تضاد، بل هي علاقة تكامل جدلي. الدولة تختفي في حياتنا اليومية عبر العادات، والقوانين الضمنية، والسوق، والرقمنة، لكي تضمن ولاءنا الصامت. ولكن، هذا الاختفاء هو بمثابة الذخيرة التي تختزنها الدولة؛ فإذا ما تمرد الفرد أو حدث خلل في النظام، تستدعي الدولة غريزة التجلي لتفاجئه بقبضتها الحديدية.
إنها المقاربة الميكافيلية بامتياز: الدولة تتخفى في نعومة الحرير، لتستطيع في اللحظة المناسبة أن تتجلى في صلابة الفولاذ.
وكخلاصة فحين تبتلع الدولة أعيننا
في النهاية، تخبرنا غريزة الدولة أن انتصارها الأكبر لا يتحقق حين نراها في الشوارع مدججة بالسلاح، بل يتحقق حين نتوقف عن رؤيتها.
فأقصى درجات تجلي الغريزة هي أن تختفي الدولة لتستيقظ في داخلنا؛ حين نصبح نحن الحراس، ونحن السجناء، ونحن القانون. في هذه الحالة، تكون الدولة قد حققت غايتها البيولوجية القصوى: لقد تجاوزت حدود الجغرافيا والمؤسسات، لتستعمر العقل البشري، وتصبح غريزتها هي نفسها غريزتنا في البقاء.





