رأي

اعطاب القطارت وغياب التواصل الفوري

مولاي اسماعيل العلوي كاتب واعلامي

لاشك أن الحوادث اليومية أو الأعطاب التقنية للقطارات أمر مألوف ووارد في أي شبكة سككية عبر العالم؛ غير أن الفارق الجوهري بين المؤسسات التي تحترم مرتفقيها وتلك التي تعاني من “إعاقة مزمنة”! يكمن في طريقة تدبير أزمة الحوادث الطارئة والتواصل بشأنها، ففي مملكتنا الشريفة يعاني المكتب الوطني للسكك الحديدية من “عقدة” مركبة! فليست قاطراته المختلفة التي تتوقف في غسق الظلام أو في الخلاء لسبب من الأسباب، بل إن آلة التواصل المؤسساتي للـ (ONCF) تصاب بالخرس التام والشلل المطبق بالتزامن مع كل حادث أو عطب  مفاجئ على سكة الحديد!  وللانصاف لا بد من الاشارة إلى ظهور بعض البلاغات التوضيحية على صفحة المكتب الرسمية، إلا انها تنشر بعد حدوث الحادث ولا يتم التواصل مع المتضررين إبان وقوعه، وهنا بيت القصيد..

إن هذا الصمت المريب أثناء وقوع الحادث كاد يتحول إلى تقليد مؤسساتي وعادة سيئة، يطرح أسئلة بنيوية عميقة تتجاوز مجرد عطل كهربائي أو سقوط عمود او حادث مفاجئ، إنه يعبر عن خلل منهجي في طريقة تفكير الإدارة ونظرتها للمواطن المغربي، مما يستدعي تفكيكا سوسيولوجيا لفهم جذور هذه “العقيدة التكتمية” الشاذة التي تمارسها مؤسسات عمومية خدمية يفترض فيها الشفافية والمسؤولية الكاملة.

ولا يمكن فصل “عقيدة التكتم” هذه لدى المكتب الوطني للسكك عن المناخ التواصلي العام الذي تفرضه الحكومة المغربية البكماء الحالية، فمن يدري ! ربما تقتدي الإدارات العامة والمؤسسات الوطنية بالسلوك التواصلي الشاذ للجهاز التنفيذي الذي يمثل القدوة في تدبير الشأن العام! فماذا ننتظر إذن من تلك المؤسسات وقدوتها رئيس حكومة “أبكم” !! 

فأمام كل حدث جلل تعرفه الأمة المغربية، نسجل غيابا فاضحا وصمتا مدويا لرئيس الحكومة الحالية، ولعل طوفان الهروب الكبير للشباب المغاربة نحو سبتة المحتلة قُبيل اسابيع يمثل الذروة في تجسيد هذا الصمت الحكومي العجيب!! ففي الوقت الذي كان فيه العالم يتابع مباشرة مأساة آلاف الشباب الذين يلقون بأجسادهم العارية في البحر الابيض هرباً من الوطن الحبيب تزامناً مع احتفالات عيد العرش المجيد، وأثناء قيام الإعلام الدولي بالتغطية عبر البث الحي، تركت الحكومة المغربية الساحة فارغة، ولم ينبس قطبها العمومي ببنت شفة، وكأن ولدًا بارّا فارّا يحمل أمه على ظهره ليخوض بها غمار البحر لا يستحق الاهتمام! لقد امتنعت الحكومة الموقرة حينئذ عن تقديم أي بيان للرأي العام يفسر خلفيات هذه الهجرة الجماعية العلنية، التي كانت بمتابة ناقوس خطر، والأدهى من ذلك أن السيد رئيس الحكومة المحترم نفسه قد نافس الشباب في “الهروب الكبير” وسبقهم إلى الضفة الاخرى، الا أنه “هرب” جوا في طائرة خاصة، لقضاء رحلة استجمام شرعية في عطلته السنوية!!

إن ذلك “الخرس الحكومي” يعطي الضوء الأخضر الضمني للمؤسسات العمومية لكي تنهج الأسلوب التكتمي ذاته! فإذا كانت الحكومة تلتزم الصمت المطبق أمام قضايا مصيرية تمس سمعة الوطن وصورته الدولية، فكيف يُنتظر من إدارة السكك الحديدية أن تخرج ببلاغات توضيحية شفافة عند تعطل كل قطار أو تأخر رحلة؟ هنا يعيد “الصمت” إنتاج نفسه كآلية دفاعية للتهرب من الحساب والمكاشفة وتكرس الفجوة بين الدولة والمواطن المغربي الذي وُعد بأنه “يستاهل احسن” وما زال ينتظر ذلك الاحسن الذي لم يأت، وربما لن يأتي.. !!

إن لدى المكتب الوطني للسكك الحديدية موقع رسمي حديث، وصفحات نشيطة على منصات التواصل الاجتماعي، غير أنها أقرب إلى “كتالوجات دعائية” وواجهات ترويجية، حافلة بأنواع البطاقات، والتذاكر، والتخفيضات..وللإنصاف، كما قلنا قد تنشر فيها أحيانا بعض البلاغات التوضيحية بعد انتهاء الحادث واستئناف حركة السير للقطار، لذلك إذ لم يجد المسافرون أبدا أي تفسير لتوقف “البراق” فائق السرعة فجأة في منطقة “العوامرة”، ولم يظهر حينها أي مسؤول او مخاطب يقدم أي توضيح لما حصل! وكذلك الأمر عندما تعطل قطار البيضاء-خريبكة وسط الظلام الدامس في منطقة نائية، وعاش الركاب رعب المجهول والانتظار دون توضيح من أحد! وتكرر السيناريو نفسه في “المنصورية” بمحور الرباط-الدار البيضاء؛ حيث تأخرت القطارات لأكثر من ساعتين وعلق الجمهور خارج المحطات بعد إغلاق أبوابها! أما القطار المتجه مساء الجمعة الماضي من مراكش إلى فاس فقد اضطر للتوقف بنواحي سطات بعدما اطلق السائق اصوات منبهات متلاحقة، سمعت بعدها “أشياء” ترتطم بالعربة الامامية من القطار وعلى النوافذ، وكالعادة انطلقت التأويلات والتخمينات بين المسافين امام غياب تام لأي مسؤول ليشرح للناس ماوقع! فمنهم من يقول انه اصطدم بحيوان، ومنهم من يقول انه قام بدهس إنسان! وهكذا تُرك الركاب لمصيرهم وسط القلق والشائعات والتكهنات، وبعد ساعات من التوقف تحرك القطار ببطئ شديد إلى محطة سطات حيث ظهرت الدماء في مقدمة القاطرة وتم تنظيفها، وعلم بعض الركاب من مصادرهم الخاصة أن الضحية كانت امرأة!! وهو الأمر الذي لم يذكر في صفحة المكتب الوطني للسكك الحديدية، الذي تنشر أحيانا، كما ذكرنا، بعض الحوادث كحادث قطار البضائع رقم 3273، على المقطع السككي الرابط بين واد المخازن والقصر الكبير، وتوقف القطار المكوكي السريع رقم 10 بين محطتي القنيطرة وسيدي الطيبي، وكذا قطار الاطلس رقم 122 الذي اضطر إلى التوقف بمحطة سيدي قاسم، حيث تتسبب التوقفات المفاجئة في اضطراب كبير لحركة سير القطارات في الاتجاهين في المحاور المعنية، دون التوصل بأي معلومة عن الحادث أثناء وقوع الحادث!..  

وتخبرنا كل البلاغات التوضيحية التي ينشرها المكتب الوطني للسكك الحديدية، بأنه يبادر دوما “فور وقوع الحادث” إلى تعبئة كافة موارده البشرية والتقنية الضرورية، من أجل استعادة حركة سير القطارات إلى حالتها الطبيعية، والغائب الوحيد في كل تلك الفرق الميدانية هو المكلف بالتواصل، إذ لم تصله “التعبئة الفورية”! وبالتالي لم يشرح او يوضح للزبناء الكرام، أويقدم لهم اعتذار المكتب الوطني للسكك الحديدية، ولكنه يشكرهم بعد حين أحيانا على حسن تفهمهم، عبر الصفحة الفيسبوكية!

  إن كرامة المواطن تقتضي معاملته كمرتفق عمومي ذي سيادة وحق دستورى أصيل، وليس مجرد رقم أو “بلاصة”! فالحصول على تفسير عند حدوث أي طارئ وتقديم اعتذار لطيف أمام اي تأخير هو اعتراف بإنسانية هذا المرتفق، إذ يشعر بأن وقته ومصالحه المهنية والصحية محترمة ولها قيمة لدى الدولة ، التي ترعى مصالحه.. 

ويتساءل المرء عن تنزيل “الفصل 27” الذي ينص على حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات، إذ يصل غياب التواصل إلى أقسى صوره بذلك التعاطي البارد مع الحوادث التي تقع على السكك الحديدية وتحصد أرواح المواطنين! فحين يدهس القطار سيدة ويحول جثتها إلى أشلاء، تمر الفاجعة دون خروج إعلامي مسؤول يوضح الأسباب، ويقدم العزاء، ويشرح التدابير المتخذة لتعزيز سلامة الممرات وحماية المواطنين وضمان كرامتهم..

وأخيرا، إن سرعة الاستثمار في حداثة القطارات وسرعتها يجب أن يواكبه استثمار في كرامة المرتفق واحترام تام لانتظام المواعيد، وحتى لا يسير مشروع التحديث بسرعتين متفاوتتين! ليس أمام القائمين على المكتب الوطني للسكة الحديدية إلا السير على سكتي التواصل والشفافية بالسرعة المطلوبة للوصول بأمان إلى محطات جديدة غير مسبوقة في عقول وقلوب المواطنين، وشكرا على حسن تفهمكم..  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى