رأي

هل يتخلى المسلم عن اخلاقه وقيمه أثناء حدة المناقشات الفكرية والسياسية؟.

بقلم : ابراهيم الناية.

عندما يدخل الإنسان المسلم إلى مجال الحياة الثقافية والفكرية وغيرها من المجالات، سيتعرض للانتقادات وأحياناً لاستفزازات خاصة أنه يفكر بطريقة لم يألفها بعض الناس، أو لأنه يطرح قضايا مفصلية قد تثير كثيرا من التساؤلات والانتقادات وهي لحظة تقتضي منه أن يظهر مدى حكمته ووعيه وخبرته في التعامل مع الآخرين فالحياة ليست كما يريد الإنسان أن يراها، ولذلك كيف يتعامل الإنسان المسلم مع مستجداتها ؟ سيما أنه أثناء حركة السير داخل المجتمع الذي تسوده تيارات ومذاهب لها خلفياتها ومنطلقاتها ،قد تثار كثير من الأسئلة والشبهات التي تجعل المسلم يوظف كل قدراته ويتعامل معها بحذر شديد لكي لا يسقط في المزالق التي تجعله يندم على تصرفات صدرت عنه غير محسوبة. خاصة أنه قد تنصب له كثير من الفخاخ والشباك من قبل بعض المناوئين للحق والعدل لكي يقع في المحظور، لكن الذي يعرف كيف يتصرف قد يُخيب آمالهم. والسؤال المهم : هل ينبغي أن يتخلى الإنسان المسلم عن أخلاقه وقيمه أثناء المناوشات الفكرية والسياسية وغيرها؟ وكيف يتعامل مع مختلف التشكيلات المجتمعية حزبية كانت أو اديولوجية والتي تمارس التضليل وتبث الترهات وتعلن الحرب الإديولوجية والنفسية على الإسلام ؟ .وما هي البدائل التي يتعين على المسلم طرحها لتجاوز تلك الرؤية السوداء التي يروج لها الآخرون عن الإسلام وأهله؟. نعم إن كثيرا من الناس ينتقدون الإنسان المسلم لأنه لا يشاطرهم ما يفعلون وقد تأخذهم الغيرة لأنه متميز عنهم فكرا وسلوكا علما أن مشروعه الذي سخر حياته من أجله في هذه الحياة الفانية هو تحقيق عبودية الله في الأرض ومدى التزامه بتحقيق هذا الهدف دون أن يصرفه عنه شيء آخر . فرغم هذا الواقع الموبوء بالتناقضات والسجلات فعلى المسلم أن لا يتخلى عن أخلاقه وقيمه أثناء المناكفات والنقاشات مهما كلفه ذلك من ثمن وإلا وقع في “إذا خاصم فجر” وأن لا يكون عونا ولا يدا للظلم والظالمين وان لا يقوم بتصريف مفهوم الدين كما تحب وتشتهي أنظمة الاستبداد وأعوانها ،وإن فعل ذلك فتلك مأساته في الدنيا والآخرة. لأن الظلم هو خروج عن قانون الحق والعدل الذي خلق الله السماوات والأرض عليه، وهو واحد وإن اختلفت صوره وأشكاله و أنواعه ودرجاته ورتبه، والظالمون أنواع من البشر ينبغي أن يُوضعوا في سلة واحدة ،وإن تنوعت أساليبهم وحيّلهم وأزمنتهم وأمكنتهم لأن الظلم في نهاية المطاف ظلمات يوم القيامة.
وقد احتفظ التاريخ الإسلامي بأسماء علماء عاملين تعرضوا للتنكيل ولكثير من الإهانات والمضايقات من قبل أنظمة استبدادية بل وصل الأمر ببعضهم إلى القتل ،ولكن كل ذلك لم يصرفهم أو يثنيهم عن تأدية رسالتهم أو أن يتخلّوا عن أخلاقهم وقيمهم كما رأينا في الأزمنة الأخيرة مفكرين مدافعين عن عقيدتهم وقضايا شعوبهم قد سيقوا إلى المشانق ولكن كل ذلك لم يزدهم إلا إيمانا وإصرارا على قول الحق، وفي زمن المرابطين واجه عبد الله بن ياسين الجزولي المنحرفين كالبرغواطيين وغيرهم من أصحاب المصالح أثناء قيامه بتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الدين والتدين وأراد أن يعلم الناس حقيقة القرآن والسنة وقد تعرض نتيجة ذلك لعنت شديدة من قبل أصحاب المنافع ورغم ذلك لم يخرج عن إطاره، فهذا الفقيه المجاهد زاوج بين بناء الدولة وبين العلم والفقه والحركة والجهاد فقد أسس عمله على العلم والعمل والإخلاص فهو بحق مرشد الدولة المرابطية التي وحدت بلاد المغرب والإندلس وقد استشهد مجاهدا في مواجهة البرغواطيين. ويرجع سر نجاح عبدالله بن ياسين إلى الاعتماد على التربية والدقة والتركيز في التكوين، وهو أمر قد انحاز إليه بعض المربين في العصر الحديث غير أن كثيرا اعتمدوا على أسلوب الوعظ ظنا منه أنه يحقق المقصود الذي رسخه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم المتجلي في بناء الذات والشخصية. ورحم الله أبو الأعلى المودودي عندما قال “يصبح من العبث الدعوة إلى الإسلام على طريقة التبشير المسيحي ولو طُبعت ملايين النشرات تدعو إلى التمسك بالإسلام وتصيح في الناس أن اتقوا الله صباح مساء لما كانت ذات فائدة تذكر.”
واستنادا على هذا الموقف لا ينبغي أن ينحرف المسلم عن خط سيره تحت أية طائلة وينجر أو يسقط في المناكفات التي لا تجدي نفعا. ولكن هذا لا يعني أنه لا ينتقد أو لا يُقَوِّم المسار لكثير من الناس ، فليست المناكفات من شيم المخلصين، فالداعية رجل مبدأ لا تلهيه صغائر الأمور ولا تصرفه عن تحقيق مشروعه .فعلى المسلم أن يشغل نفسه بالبناء ولا يستهلك جهده في المزايدات الفارغة التي لن يجني من ورائها إلا السراب .
نعم إن نشر الإسلام أمانة لا ينبغي أن يتخلى عنها أي شخص من أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم ،لكن كيف يمكن أن يحقق المسلم كل ما يصبو إليه ويسعى إلى تحقيقه؟ إن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة النحل : “أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”. ولذلك على المسلم أن يقدم مشروعه سلوكا أولا قبل أن يقدمه نظريا فقد روى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان خلقه القرآن” وأن التجارب التي مرت بها البشرية أكدت أن الذي يستطيع تغيير التاريخ هو ذلك الإنسان الذي يسبق عمله لسانه ،ومن ثم ان مشروع الإنسان المسلم يتجلى في التعامل مع الناس برفق ورحمة وأن ينتشلهم من حياة التعاسة التي يعيشونها إلى حياة الهدى والنعيم، جاء ليوقظ الناس من السبات إلى النور القائم على الإيمان والتقوى وليعلم الناس حقيقة دينهم ويوضح لهم حقائق الإسلام ويبين لهم أباطيل خصومه، فمهمته تبيان الرؤية الإسلامية وشرح الإسلام شرحا مستفيضا حتى يكون جليا تحت ضوء الشمس.
إن إنقاذ البشر الذي يمارس العبودية لغير الله يقتضي تعليم الناس وتربيتهم والإحسان إليهم والإستمرارية في خدمتهم لأن خدمتهم عبادة للخالق ،وهذا الأمر يتطلب من المسلم الابتعاد عن السجالات التي لا تنير الطريق ولا تزيل الغبش وإنما تعمق العداوة التي هو في غنى عنها، إن مضيعة الوقت فيما لا يفيد ما هو إلا طريق نحو ابتعاد المسلم عن مربعه. وهذا ما يسعى اليه الاعداء عندما يتحقق لهم اخراجه عن اطاره ليصبح بعد ذلك في حالة الدفاع بدل الهجوم. والذي ينبغي التأكيد عليه ان الانتماء الى الاسلام هو انتماء الى اخلاقه وقيمه ومبادئه. وكل ما يقوم به المسلم من اعمال وسلوك مؤطر بمبدأ اساسي هو الذي رواه مسلم في صحيحه عن سفيان بن عبدالله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله “قل لي في الاسلام قولا لا اسأل عنه احدا غيرك ؟قال : قل امنت بالله ثم استقم”.
فالاستقامة هي الاساس الذي يقوم عليه البناء، والازمة التي تعيشها البشرية حاليا هي غياب الاستقامة في معظم شؤون الحياة، ولكن هذه الاستقامة مشروطة بالايمان وبما امر به الخالق “فاستقم كما امرت”. وليس كما يريد الانسان من خلال تمثلاته واهوائه واذا لم يلتزم الانسان بمبدأ الاستقامة في حياته فهو في حالة تناقض مع طبيعة خلقه ولا يقبل منه شيء لان الله طيب لا يقبل الا طيبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى