الرد على المتنبئين الجدد (الحلقة الرابعة)
«نحن أمازيغ ولسنا عرباً»: مواجهة نصية شاملة، ودحض الطبخة الكولونيالية للهوية

بقلم: د. مصطفى بوهندي استاذ التعليم العالي باحث في تاريخ وجغرافية ولغات الأديان
نصل اليوم في سلسلتنا النقدية لفك أوثان السلفية الهوياتية البديلة إلى الفصل الثاني من الباب الأول في كتاب عبد الخالق كلاب، وهو الفصل المكسو بالغالبا الأيديولوجي الحاد تحت عنوان «نحن أمازيغ ولسنا عرباً». ونظراً لأهمية هذا المبحث في مشروعه الخلوي، فإننا لن نكتفي بالتعليق الكلي، بل سنضع نص كلامه فقرةً فقرة وجهاً لوجه أمام التحقيق الفيلولوجي والصرامة الوثائقية التاريخية:
1. الفقرة الأولى: المصادرة التحكمية وإعلان الفصام العرقي
[نص عبد الخالق كلاب]:
“إن الجزم بكون الأمازيغ ليسوا عرباً ليس مجرد رد فعل أيديولوجي، بل هو حقيقة تاريخية ولسانية تثبتها دلالة اللسان وخصوصية الأرض. فالقول بعروبة الأمازيغ هو امتداد لسلفية تاريخية تسعى لسلب الذات المورية أصالتها وإلحاقها بمركزية مشرقية طارئة…”
[التفكيك والنقد المعرفي]:
يبدأ الكاتب مبحثه بـ “مصادرة على المطلوب”؛ إذ يفترض أن نفي العروبة “حقيقة قطعية” دون أن يقدم وثيقة لسانية واحدة أو دراسة تأثيلية تؤكد هذا الفصام. فالتحقيق اللساني الميداني يثبت أن أرض شمال إفريقيا كانت عروبية البيئة قبل أن تتقيد بحدود القرن التاسع عشر، احتضنت القرآن الكريم ببديهة وفطرة؛ لأن بنية اللسان الأمازيغي بتشعباته الشفهية المحلية (من شلوح وريافة وقبايل وطوارق) تستند في نسبة ساحقة تتراوح بين 80% إلى 100% إلى أصول وجذور عربية أصيلة في أسماء الأعضاء، وأفعال الحركة، والضمائر، والجذور الاشتقاقية. وفي علم الألسن، يستحيل لغوياً أن تستغني لغة عن هذه النسبة وتستقل بذاتها؛ مما يجعل هذا الرصيد الشفهي في أصله اللساني نمطاً من اللهجات العروبية القديمة غير الفصيحة التي تعايشت مع اللسان الفصيح، وليس لساناً مناهضاً للعرب كما يتوهم الكاتب.
2. الفقرة الثانية: ادعاء القطيعة اللسانية وتصنيع “اللسان الضرار”
[نص عبد الخالق كلاب]:
“لقد عبر أسلافنا عن وجودهم بلسانهم الخاص (أوال أمزيغ)، وهو الكلام النبيل الذي يختلف جذرياً في بنيته ومفاهيمه عن اللسان العربي. وإن محاولة جعل الأمازيغية فرعاً من العربية هي محاولة لإعدام الشخصية المورية وتجريدها من وعائها الحضاري الأصيل…”
[التفكيك والنقد المعرفي]:
يمارس الكاتب تسديد ضربة في الفراغ عبر التباكي على عبارة “أوال أمزيغ” (الكلام النبيل)، معتقداً أن التغني بالاسم يغني عن تحقيق المادة اللغوية. إن الكاتب يشارك بدون وعي في مخطط “تقزيم العربية واختزالها قسراً في شبه الجزيرة”، واختراع “لغة أمازيغية معيارية موحدة” لم يوجد لها أثر مكتمل عبر التاريخ؛ إذ تم التغاضي عن التسميات التراثية الشفهية المستقرة، وتجميع شتات اللهجات لِتُفرَض عليها أبجديات لقيطة كـ “التيفيناغ” (التي جُمِعت من خربشات ووشوم صامتة لا تشكل نظاماً كتابياً). إن الغاية من تصنيع هذا “اللسان الضرار” هي سرقة اللسان العربي الجامع، وإقامة جدار عازل يقطع أبناء أقصى المغرب عن حرفهم العربي ووعائهم القرآني، وهو ما يُعد إعداماً حقيقياً للذات المغاربية وتجريداً لها من أصلها الحضاري.
3. الفقرة الثالثة: أسطورة “السبي والعبودية” والارتهان للببليوغرافيا الكولونيالية
[نص عبد الخالق كلاب]:
“إن فرض العروبة على المور كان غطاءً لتبرير الغزو والسبي واحتلال الأرض، وإلغاء فاعلية الإنسان الموري لصالح الوافد الشرقي. وقد آن الأوان لاستعادة الذات المورية وتطهير تاريخها من هذه السردية الاستلابية…”
[التفكيك والنقد المعرفي]:
تسقط الأطروحة هنا في النقل الحرفي لأدبيات المدرسة الاستعمارية الفرنسية (أمثال روبرت مونتاني وإدموند دوتيه، والمصادر اللسانية المعمرة لـ لاوست وديستانج وبيارني) التي أصلت لـ “الظهير البربري” لعام 1930. فالكاتب يصف الفتح الإسلامي بالـ “غزو والسبي”، متجاهلاً أن الفتح كان اندماجاً رسالياً وحضارياً شاملاً؛ انخرط فيه المغاربة بذواتهم فكانوا قادة الجيوش الفاتحة، وبناة الإمبراطوريات العظمى في المرابطين والموحدين والسعديين.
وتكشف الوثائق التاريخية أن هذه الاستراتيجية الفرنسية في القرن العشرين لم تكن سوى تكرار آلي للخطة الكنسية الإسبانية الصادرة بغرناطة عام 1505م في كتاب الراهب بيدرو دي ألكالا (Arte para ligeramente saber la lengua aráviga)؛ حيث جرى التأسيس لتفكيك الحرف العربي وعزله عن وعائه الفصيح لإجبار الساكنة على التخلي عن دينها ولسانها. وحين جاء الاستعمار الفرنسي بعد تقسيم إفريقيا عام 1885م طبق النظرية ذاتها بصناعة “الأمازيغية والتيفيناغ” لوضع سد منيع ضدف الجامعة العربية والرباط الإسلامي.
4. الفقرة الرابعة: الحصار الجغرافي والامتثال لعمى الخريطة الاستعمارية
[نص عبد الخالق كلاب]:
“إن جغرافيتنا المورية مستقلة بحدودها وتاريخها، وليست مجرد ملحق جغرافياً أو ثقافياً للمشرق العربي، والتاريخ الموري يمتلك مركزيته الخاصة التي تبدأ من تربته وتستغني عن أي انتماء خارجي…”
[التفكيك والنقد المعرفي]:
تصل المأساة المعرفية مداها حين يتحدث الكاتب عن الجغرافيا المورية من داخل الحدود القُطرية الضيقة التي صنعتها باريس ومدريد؛ جاهلاً أن “أقصى المغرب” في الخريطة الملاحية والفلكية الإسلامية الأصيلة (خط طول الإدريسي) كان يمتد عبر المحيط الأطلسي بـ 180 درجة ليملأ النصف الغربي للكرة الأرضية، قبل أن تقص السردية الاستعمارية الأوروبية هذا الامتداد وتستبدل خط الإدريسي بـ “خط غرينتش” في لندن. فالكاتب الذي يظن أنه يحرر الذات المورية، يتنفس من داخل القوقعة الاستعمارية التي صنعتها الحماية، مسقطاً الأفق الكوني للمغاربة الذين كانوا أسياد الملاحة والفلك واللسان العربي الممتد.
خلاصة الحلقة:
إن مبحث «نحن أمازيغ ولسنا عرباً» يثبت أن الكاتب لم يقدم جديداً معرفياً، بل اكتفى بإعادة تدوير “الطبخة الاستعمارية” التي هندسها الاستشراق الكولونيالي ورعتها الكنيسة قبلها، مستبدلاً بالحقائق الفيلولوجية والمصادر التاريخية الصلبة فتاوى خلوية هوياتية تحاول شق صف الأمة وتجريد المغاربة من لسانهم العربي وجامعتهم الإسلامية الخالدة.
التعليق المشهدي المصاحب للوحة التعبيرية:
شجرة الهندسة اللغوية: من غرناطة 1505م إلى ظهير 1930م
الوصف والتحليل البصري:
تُجسد هذه اللوحة الفكرية خط الاستمرار الهيكلي للمشروع الكولونيالي في تفكيك اللسان العربي وعزله عن وعائه الحضاري؛ حيث يظهر في الجانب الأيسر المشهد التأسيسي الأول لعام 1505م، المتمثل في تقديم الراهب بيدرو دي ألكالا كتاب لغته لكبير أساقفة غرناطة، كأداة كنسية لإعادة تشكيل هوية الناس ولغتهم عقب سقوط الأندلس.
وفي الوسط تتراءى لوحة الأبجدية المترجمة والمفككة كوثيقة وسيطة، تتصل مباشرة بـ الجانب الأيمن؛ حيث يجلس ضابط ضابط المصلحة اللغوية والاستشراقية الفرنسية في إبان الحماية لعام 1930م، ممسكاً بالبركار والمشرط فوق تلك الشبكة الحرفية ذاتها، ليعيد رسمها وتقطيرها في أبجديات معزولة، كرمز مادي ينطق بأن أطروحة “الأمازيغية المعيارية والتيفيناغ المصنعة” لم تكن سوى استعادة حرفية للطبخة الاستعمارية القديمة للعدوان على اللسان العربي والجامعة الإسلامية في أقصى المغرب وشمال إفريقيا.





