شظايا التسريبات الصوتية وشبهات أخرى تفجر الأغلبية المغربية عشية تشريعيات 2026
بقلم: عبدالعزيز رجاء : فاعل مدني

زلزال تسريبات “الرجل الثالث”
لم تكن التسريبات الصوتية المنسوبة لرشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي البارز في حزب التجمع الوطني للأحرار، مجرد تفاصيل عابرة في كواليس العمل الحزبي، بل شكلت زلزالاً سياسياً كشف عن الهشاشة الهيكلية التي تطبع الائتلاف الحكومي الحالي عشية انتخابات 23 شتنبر 2026. إن عبارة «والله لا خذاها» التي وُجهت كـ “فيتو” حاسم ضد استعادة أو تولي فوزي لقجع لوزارة الاقتصاد والمالية، تعكس عمق الصراع الحقيقي داخل نخب السلطة؛ صراع لا يدور حول البرامج التنموية ولا حول البدائل الاقتصادية، بل حول مراكز النفوذ والسيطرة على الوزارات السيادية التي تدبر الموارد المالية العامة للمملكة.
تتضاعف خطورة هذه الأزمة بالنظر إلى صفة الفاعل الرئيس فيها؛ إذ لم يعد النقاش محصوراً في الملاسنات الانتخابية، بل امتد ليمس مصداقية “الرجل الثالث في الدولة” الذي تتراكم فوق طاولته الشبهات والملاحقات المتعلقة بديون عالقة وشيكات بدون رصيد التي كثر القيل والقال في حقها، مما يضع المؤسسة التشريعية برمتها أمام امتحان أخلاقي وسياسي غير مسبوق حول أهليّة إدارة قبة البرلمان وقيادة المشهد السياسي (في حالة إن صحت هذه التهم ).
انفجار الأغلبية والتموقع المبكر
إن الرد الفوري الصادر عن حزب الأصالة والمعاصرة (البام) وتصريحات فاطمة الزهراء المنصوري (صاحبة ملف تسلطانت الملغوم)الذي كان حازما بعدم التحالف مجدداً مع حزب (الحمامة)، يختزل حالة من “طلاق شقاق” سياسي استفحل وأصبح لا يحتاج إلى حكماً من أهل أحدهما، (للإصلاح أو للتفريق)، طلاق لم يستند إلى تباين أيديولوجي أو فكري ــــــ فأغلب أحزاب المغرب تفتقد لذلك ــــــ، بل جاء نتيجة استشعار كل طرف لمحاولات قص اجنحته عبر سحب أهم كتائبه الانتخابية وبعض الأعيان من أحضان حزب وتوجيههم نحو الآخر.
ففي رد حاسم من حزب الأصالة والمعاصرة عقب اجتماع مكتبه السياسي يوم الأربعاء 26 غشت 2026، أعلن الحزب رفضه التام لاتهمات الأحرار بشأن “استمالة” منتخبيه وإخضاعهم للضغط، مستهجناً إقحام اسمه في بيان التجمع ومؤكداً أنه «لن يقبل دروساً من أي طرف في احترام القانون أو الالتزام بقواعد العمل السياسي والمؤسساتي». ولم يتردد القياديون في حزب الجرار في فتح أرشيف التجمع الوطني للأحرار لنسف ادعاءات مظلوميته؛ حيث ذكّر “البام” بأن الأحرار طالما اعتمدوا التكتيك ذاته، بـترشيحهم لبرلمانيين خلال تشريعيات 2021 كانوا ينتمون سابقاً إلى 5 أحزاب سياسية، بينهم برلمانيين من البام نفسه، دون أن يُثير ذلك انزعاج أحد باعتبارها ممارسة تندرج ضمن “حرية الاختيار السياسي”. كما صرّح مصدر قيادي في البام لصحيفة صوت المغرب بلغة ساخرة:«إذا جئنا نتحاسب مع التجمع، فعليهم أن يعيدوا لنا شوكي.. راه ديالنا» وهي إشارة إلى محمد شوكي (الرئيس بالوكالة للأحرار خلفاً لعزيز أخنوش الذي لازال هو الرئيس الفعلي) ولتسلط الضوء على ما يزيد عن 31 حالة استقطاب سياسي رُصدت قبيل اقتراع 23 شتنبر. كما استنكر البام خروج الطالبي العلمي عن أعراف المؤسسات بتحديد مآل وزارة المالية وتوزيع الحقائب، مبرزين أن الأحرار يعيشون عمق الارتباك والانهيار الداخلي، وقد لا يجدون لأنفسهم مكاناً في الحكومة المقبلة إذا ما طالهم العقاب الانتخابي.
كما قلّل حزب الأصالة والمعاصرة من أهمية تصريحات الطالبي واصفاً إياها بـ «الزوبعة الفارغة» التي لا تساوي شيئاً سوى محاولة يائسة للتغطية على حالة الخوف التي يعيشها الأحرار؛ مشدداً على أن القيادي المذكور لا يملك أي صلاحية تنصيبية أو دستورية لتوزيع الحقائب السيادية أو تنصيب نفسه وصياً على وزارة المالية، ومؤكداً أن حسم الخريطة الحكومية يظل رهيناً حصرياً بفرز صناديق الاقتراع، حيث إن تراجع حزب ‘الحمامة’ عن المرتبة الأولى سيعني تلقائياً جلاء شرعيته وفقدانه الرغبة الشعبية والمؤسساتية في الاستمرار ضمن التشكيلة الحكومية المقبلة.
لقجع.. حين تتناقض التصريحات
تبدو المفارقة في موقف فوزي لقجع أكثر وضوحاً كلما قورنت تصريحاته بحصيلة الدعم الموجه للقطيع؛ فالرجل، بصفته المسؤول الحكومي عن الميزانية، دافع عن ضخ أكثر من 11 مليار درهم، قبل أن يقر لاحقاً بأن المخطط لم يحقق أهدافه وأن أسعار اللحوم بلغت مستويات قياسية. وبينما طالبت المعارضة، وأصوات من داخل الأغلبية، بلجنة لتقصي الحقائق حول مآل هذه الأموال، قوبل المقترح بالرفض، وظل لقجع متحفظاً على فتح الملف أمام تحقيق برلماني. ثم انتقل الخطاب من الدفاع عن التدبير إلى تحميل «الفراقشية» والوسطاء والمضاربين مسؤولية امتصاص أثر الدعم. وهنا لا يعود السؤال مجرد خلاف في التقديرات، بل يصبح سؤالاً عن المسؤولية السياسية: من يملك سلطة صرف المال العام، ومن يملك سلطة تفسير فشل نتائجه؟
يزداد هذا السؤال حساسية مع تداخل أدوار لقجع الحكومية والحزبية والرياضية، من تدبير ملفات الميزانية والدعم إلى حضوره القيادي في المشهد الرياضي، في وقت تثار فيه، في بعض المنابر، ادعاءات بشأن استفادة شقيقه من شقة في إطار جمعية الأعمال الاجتماعية لوزارة المالية رغم الحديث عن كونه مهاجراً مغربياً وليس موظفاً بالوزارة. وهذه واقعة لا يجوز اعتمادها كحقيقة ثابتة دون وثائق رسمية أو تحقيق مستقل، لكنها، إن ثبتت، تستوجب مساءلة واضحة حول معايير الاستفادة وتكافؤ الفرص. أما الثابت سياسياً، فهو أن تداخل مواقع النفوذ يجعل الحاجة إلى الرقابة والمحاسبة أكثر إلحاحاً: فلا يكفي الاحتفاء بالنجاحات الرياضية أو الاحتماء بالمسؤولية الجماعية عند الإخفاق، بل المطلوب كشف مسارات المال العام، وتحديد المسؤوليات، وتمكين المؤسسات الرقابية من القيام بدورها. فالمواطن لا يحتاج إلى «VAR» سياسي، بل إلى حسابات مكشوفة ومحاسبة فعلية.
الترحال و الاستقطاب… «ميركاتو الأعيان»
يعيد المشهد السياسي الراهن إنتاج أزمة الترحال السياسي، بعدما تحركت ماكنة بعض الأحزاب إلى استقطاب «اللاعبين الجاهزين» من الأعيان والمنتخبين بدل بناء نخب حزبية مؤطرة وصناعة برامج مقنعة. وقد اتهم حزب الأحرار حليفه «البام» باستعمال الضغط والاستمالة لتهريب الأعيان، في مشهد يكشف تحول المنافسة إلى «ميركاتو انتخابي» مفتوح، يصبح فيه الترحال مقبولاً حين يخدم المصلحة الانتخابية ومرفوضاً حين يستفيد منه المنافس. والحال أن الظاهرة قديمة؛ فقد كانت الفرق البرلمانية تتشكل وتتفرق بفعل تغيير الولاءات أثناء الولاية البرلمانية، قبل أن يحدّ منها الفصل 61 من دستور 2011 والقانون التنظيمي 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، اللذان رتبا التجريد من الصفة الانتخابية في حالات الترحال أثناء الولاية. واليوم ينتقل «الميركاتو» إلى ما قبل الانتخابات، حيث تتسابق الأحزاب على الأعيان القادرين على جلب المقاعد، فيما يصبح المواطن من فاعل ديمقراطي إلى متفرج من بعيد على سوق تحكمها الولاءات والمصالح.
استهداف “وزارة المالية”: بين الريع الإداري و«الاغتراب الدستوري»
وتتجاوز المفارقة ميركاتو الأعيان» إلى جوهر الشرعية الديمقراطية، خصوصاً مع الجدل حول الفصل 47 من الدستور، الذي يربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب المتصدر للانتخابات. فالنص الذي يفترض أن يمنح لصندوق الاقتراع وزنه في تشكيل السلطة التنفيذية، يبدو لدى بعض النخب وكأنه قيد على حسابات السباق نحو المرتبة الأولى. وهنا تتبدى المفارقة: مواقف النخب من الدستور تتغير بتغير مواقعها؛ فحين تخدم نتائجه مصالحها تتمسك به، وحين تتحول مقتضياته إلى عائق أمام حساباتها الانتخابية تتحفظ عليه، بما يعكس حالة من «الاغتراب الدستوري» في الممارسة السياسية. «هل الطالبي العلمي هو الذي يعيّن الحكومة؟ وهل هو الذي يعيّن الوزارات؟» رد لبعض قيادات البام على تسريب الطالبي: «والله لا خذاها» كـ “فيتو” حاسم لتولي فوزي لقجع لوزارة الاقتصاد والمالية،. والتي تظهر الأزمة الراهنة أن الصراع الحقيقي ليس على كتابة السياسات العمومية، بل على وزارات النفوذ الثقيل وفي مقدمتها “وزارة الاقتصاد والمالية”، التي تمتلك البنيات والوسائل والأطر الحقيقية، وتدير الميزانيات الضخمة؛ وبالتالي فإن السيطرة عليها تحمي مصالح شبكات رجال الأعمال والمستثمرين المقربين من الأحزاب المتصدرة.
خاتمة: رهان التحديث أم استمرار حلقة الأعيان والشبهات؟
إن ملاسنات “الأحرار والبام”، المقترنة بتناسل بعض الاتهامات في حق قيادات متنفذة، ليست سوى مرآة مكبرة تشير إلى أن المنظومة الانتخابية الحالية – بنظام اللوائح وطريقة احتساب القاسم الانتخابي وغياب العتبة الوطنية القوية – وصلت إلى مداها الإفلاسي في إنتاج نخبة ديمقراطية حقيقية. إنها تعيد إنتاج الأعيان والوجهاء للسيطرة وتأطير الفراغ، لكن على حساب بناء مؤسسات حزبية ونقابية حديثة ومستقلة.
إذا لم تتجه البلاد نحو إعادة هيكلة جذرية لنظام الاقتراع وتفعيل آليات المحاسبة والشفافية وتجريم كل ما من شأنه يمس بسمعة ومصداقية العملية الانتخابية، ومساءلة ذوي الشبهات المالية، ستظل الاستحقاقات المقبلة مجرد “سيرك انتخابي” يتغير فيه الفاعلون وتتكرر فيه نفس المأساة، وسط عزوف شعبـي يتزايد كلما رأى المواطن كيف تُوزع الحقائب الوزارية ومقدرات الوطن بأسلوب: «والله لا خذاها… الوزارة عندها مولاتها!».



