رأي
الرد على المتنبئين الجدد (الحلقة الخامسة)«متوالية المحو والتفكيك»: من إبادة الأندلس الأمريكية إلى “التيفيناغ” والظهير البربري
بقلم:الدكتور مصطفى بوهندي استاذ التعليم العالي باحث في تاريخ وجغرافية ولغات الأديان
منذ 6 أيام
0

نصل اليوم في سلسلتنا التفكيكية لأوثان السلفية الهوياتية البديلة إلى اللحظة المفصلية الحاسمة؛ وهي الكشف عن “الوحدة الهيكلية والمنهجية” بين ما تعرض له المسلمون العرب والمور في الأندلس الأمريكية، وبين ما يُراد تنفيذه اليوم في شمال إفريقيا وأقصى المغرب من خلال مباحث المتنبئين الجدد، وعلى رأسهم عبد الخالق كلاب في مبحثه المعنون بـ «نحن أمازيغ ولسنا عرباً».
إن القراءة النقدية للوثائق التاريخية تثبت أن الشعار الذي يرفعه الكاتب وأترابه ليس فتحاً معرفياً، بل هو مجرد تكرار آلي لمتوالية استعمارية موحدة جُرّبت بحذافيرها: بدءاً من «نحن مور ولسنا عرباً»، و«نحن أراويك ولسنا عرباً»، ووصولاً إلى الشعار الذي بُنيت عليه أطروحة تيفيناغ المستحدثة: «نحن فينيقيون ولسنا عرباً»، ثم «نحن أمازيغ ولسنا عرباً».
لقد دُشن هذا المخطط بادئ الرأي في الأندلس الأمريكية بالكاريب والبر الرئيسي (منطقة زوليا وبحيرة ماراكايبو حيث جبل طارق الفنزويلي الأصيل) عبر إبادة مادية وحضارية شاملة للوجود العربي والإسلامي للمور والأراويك؛ حيث جُرّد أهل الأرض من أملاكهم وأسمائهم ودينهم ولسانهم العربي، وتمت نقحرة لغتهم وتقطيع رسمها في كتاب الراهب بطرس القلعي (Pedro de Alcalá) عام 1505م، ليتبع ذلك أكبر عملية «استرجاع جغرافي بأثر رجعي» في التاريخ، عبر سرقة أسماء مدنهم الأندلسية ومنازعاتهم الترابية (كجبل طارق، وطريفة، والقلعة، وسبيتة، وطونجا وتطوان، والجزيرة التي وثقتها وثيقة 1601م) ونقلها قسراً لتُغرس في شبه الجزيرة الإيبيرية الأوروبية. كما طال هذا المحو حركة الإحياء الأندلسية، باختطاف أدباء تلك المنطقة وتسميتهم بـ “أدباء المهجر”، ونقل تاريخهم بأثر رجعي إلى “المشرق” (Le Levant) الذي قُطّع لاحقاً في خريطة “سايكس بيكو” لمحو الأثر العربي الأطلسي من الذاكرة البشرية.
وحين طُرد الاستعمار الإمبراطوري وعاد برداء الحماية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لاقتسام إفريقيا (1885م)، احتفظت المدرسة الكولونيالية الفرنسية بالمنهجية ذاتها وطبقتها بحذافيرها على شمال إفريقيا:
تقزيم اللسان العربي الفصيح واختزاله قسراً في صحاري الشرق.
اختطاف اللهجات العروبية الشفهية (من شلوح وريافة وقبايل وطوارق) وتكثيفها قسراً تحت اسم “الأمازيغية”.
استنزال خط “تيفيناغ” اللقيط (المصنوع من وشم وخربشات صامتة) ليؤدي نفس وظيفة النقحرة الكنسية في قطع ابن المنطقة عن حرفه العربي ووعائه القرآني.
تلفيق مقولة “العرب الغزاة” لشرعنة التفكيك، وإحلال “لسان ضرار” يحل محل الأمة الجامعة.
تتشفى الهشاشة الإبستمولوجية لـ عبد الخالق كلاب وأدعياء السلفية الهوياتية حين نكتشف أنهم يمارسون “دور الوكيل التلقائي” لهذه الخطة الاستعمارية من حيث لا يشعرون. فالكاتب حين ينفي عروبة الأمازيغ ويتغنى بـ “الذات المورية” من داخل حدود باريس ومدريد، فإنه ينفذ دون وعي الفصل الأخير من مسلسل الإبادة؛ إذ يستبدل بالحقائق الفيلولوجية القاطعة -التي تثبت أن 80% إلى 100% من معجم ونحو هذه اللهجات هو عربي أصيل- لسان ضرار هجين ومصنّع.
إن هذه الحلقة الخامسة تضع الحد الفاصل أمام التبشير الهوياتي الخلوي، لُتفتح الباب واسعاً في الحلقات القادمة لمواجهة المنظومة الاستشراقية الكولونيالية برمتها، وكشف أسرار مؤامراتها التي صُيغت في الخارج لِتُنفّذ بأيادي أدعياء الداخل. وتظل الحقيقة الوثائقية ناطقة بأن أقصى المغرب كان وسيبقى قلعة عروبية إسلامية خاضت وتخوض معركة الوجود والحضارة بكل اقتدار.

شجرة المحو الحضاري: من الأندلس الأطلسية إلى الظهير البربري
الوصف والتحليل البصري:
تُجسد هذه اللوحة الفكرية الكبرى «متوالية التفكيك والاستبدال الحضاري» عبر خط زمني ومكاني عابر للمحيطات؛ حيث تجمع في بنيتها البصرية بين خرائط الكاريب والأندلس الأمريكية في القرن السادس عشر (حيث وثقت الأرشيفات الاستيطان الموري والعربي في جبل طارق وطرفة والقلعة الكاريبية)، وبين مطابخ التفكيك اللغوي الكنسي والاستعماري.
يظهر في المشهد الراهب الكنسي (صاحب خطة 1505م) والضابط الاستشراقي الكولونيالي (صانع الظهير البربري عام 1930م) جنباً إلى جنب على طاولة الأرشيف، يمارسان الصنيع ذاته: تقطيع الرسم العربي الفصيح، ونقحرته، واستنزال أبجديات وحروف بديلة (“تيفيناغ” المصنّعة) لقطع الساكنة عن حرف القرآن وإقامة “لسان ضرار”. إنها الشاهد البصري الحي على أن شعار «نحن أمازيغ ولسنا عرباً» ليس سوى الحلقة الأخيرة من متوالية المحو التي استهدفت المور والأراويك والعرب في الأطلسي، وتساقطت اليوم أمام صرامة الفيلولوجيا والحقيقة الوثائقية لأقصى المغرب الإسلامي.
الوصف والتحليل البصري:
تُجسد هذه اللوحة الفكرية الكبرى «متوالية التفكيك والاستبدال الحضاري» عبر خط زمني ومكاني عابر للمحيطات؛ حيث تجمع في بنيتها البصرية بين خرائط الكاريب والأندلس الأمريكية في القرن السادس عشر (حيث وثقت الأرشيفات الاستيطان الموري والعربي في جبل طارق وطرفة والقلعة الكاريبية)، وبين مطابخ التفكيك اللغوي الكنسي والاستعماري.
يظهر في المشهد الراهب الكنسي (صاحب خطة 1505م) والضابط الاستشراقي الكولونيالي (صانع الظهير البربري عام 1930م) جنباً إلى جنب على طاولة الأرشيف، يمارسان الصنيع ذاته: تقطيع الرسم العربي الفصيح، ونقحرته، واستنزال أبجديات وحروف بديلة (“تيفيناغ” المصنّعة) لقطع الساكنة عن حرف القرآن وإقامة “لسان ضرار”. إنها الشاهد البصري الحي على أن شعار «نحن أمازيغ ولسنا عرباً» ليس سوى الحلقة الأخيرة من متوالية المحو التي استهدفت المور والأراويك والعرب في الأطلسي، وتساقطت اليوم أمام صرامة الفيلولوجيا والحقيقة الوثائقية لأقصى المغرب الإسلامي.

منذ 6 أيام
0




