
في دولة تقوم على سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يفترض أن يظل المواطن رهين الانتظار، لمجرد معرفة مآل حق أو طلب تقدم به إلى الإدارة.
حين تستنفد المراسلات الإدارية مسارها، ويستمر الصمت، يتجه المواطن إلى مؤسسة وسيط المملكة، باعتبارها إحدى الآليات المؤسساتية التي خول لها الدستور والقانون مهمة الدفاع عن حقوق المرتفقين في علاقتهم بالإدارة، والمساهمة في ترسيخ سيادة القانون وقيم العدل والإنصاف.
وتكمن أهمية هذه المؤسسة الدستورية المستقلة والمتخصصة في كونها لا تقتصر مهمتها على تلقي الشكايات، بل خول لها القانون رقم 14.16 صلاحيات وآليات للتدخل، تشمل البحث والتحري، وإصدار توصيات ترمي إلى إيجاد حلول منصفة، فضلا عن آليات أخرى للتعامل مع حالات عدم استجابة الإدارة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يحدث عندما ينقل المواطن تظلمه من “انتظار جواب الإدارة” إلى “انتظار مآل الشكاية” أمام مؤسسة الوسيط نفسها؟
هنا، لا يتعلق الأمر إطلاقا بالتشكيك في الأدوار الدستورية والقانونية للمؤسسة، وإنما بطرح سؤال مشروع حول مدى نجاعة الوساطة المؤسساتية وسرعة التفاعل مع التظلمات.
إن المواطن الذي يطرق باب الوسيط يكون غالبا قد استنفد طاقته في مراحل متعددة من المساطر والمراسلات ومحاولات التواصل مع الإدارة. ومن ثم، يفترض أن يشكل اللجوء إلى هذه المؤسسة بالنسبة إليه نقطة تحول من حالة الجمود الإداري إلى مرحلة جديدة قوامها البحث عن الحل والإنصاف.
كما أن فلسفة الوساطة المؤسساتية تقوم على التواصل مع الإدارة المعنية، ودراسة الشكاية، والبحث في أسبابها وملابساتها، وطلب توضيحات بشأن موقف الإدارة والإجراءات التي اتخذتها.
ومن هذا المنطلق، فإن التفاعل الجدي مع مراسلات مؤسسة الوسيط واحترام الآجال المحددة قانونا لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد إجراء شكلي، وإنما باعتبارهما من مقومات فعالية الوساطة المؤسساتية ونجاعتها.
لقد أصبحت السرعة في معالجة التظلمات جزءا مهما من مفهوم العدالة الإدارية؛ لأن الحق الذي يأتي متأخرا قد يفقد جزءا من قيمته العملية، ولا سيما عندما تتصل القضية بمراكز قانونية قائمة، أو استحقاقات مهنية، أو آجال قانونية ومسطرية لا تحتمل الانتظار.
ومن هنا، فإن المطلوب لا يقتصر على وجود مؤسسة تستقبل شكايات المواطنين، وإنما يكمن أيضا في أن يشعر المرتفق بأن تظلمه يسلك مساراً واضحا وفعالا، وأنه سيحصل في نهاية المطاف، على جواب مؤسساتي بشأن مآله.
إن قوة مؤسسة وسيط المملكة لا تقاس فقط بحجم الشكايات والتظلمات التي ترد عليها، وإنما كذلك بمدى قدرتها على المساهمة في تصحيح الاختلالات الإدارية، وتعزيز استجابة الإدارة، وترسيخ ثقافة الإنصات للمرتفق واحترام حقوقه؛ فالوساطة المؤسساتية أُنشئت لتقريب الإدارة من المواطن، والمساهمة في معالجة مظاهر الاختلال في العلاقة بينهما، وليس لإضافة حلقة جديدة إلى سلسلة الانتظار.
وحين ينتقل المواطن من صمت الإدارة إلى مؤسسة الوسيط، ثم يجد نفسه أمام انتظار جديد دون معرفة واضحة بمآل تظلمه، يصبح من المشروع، بل ومن الضروري، طرح السؤال:
أين تبدأ نجاعة الوساطة المؤسساتية، ومتى ينتهي الانتظار؟




