رأي

بين خطاب “الكرامة” وواقع “الإقصاء”

عبدالعزيز رجاء: الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب ORCM

قراءة في الرسالة المفتوحة لحزب التقدم والاشتراكية إلى المتقاعدين والمتقاعدات

وجّه حزب التقدم والاشتراكية، في فاتح شتنبر 2026، رسالة مفتوحة إلى المتقاعدات والمتقاعدين، حملت عنوانًا لافتًا: “كرامتكم مسؤوليتنا”، و شعارا “نزعمو كاملين على مغرب لا ينسى أبدًا من أفنَوا حياتهم في خدمته”. غير أن هذا الخطاب الرمزي، بما يحمله من إقرار بالجميل وتعهدات مستقبلية ضمن برنامج حكومي مرتقب للفترة 2027-2031، يصطدم بواقع مرير تعيشه شرائح واسعة من المتقاعدين عبر مختلف الصناديق.
فمنخرطو الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) يعانون منذ أكثر من 27 سنة من تجميد شبه كامل لمعاشاتهم، وسط معاشات هزيلة لا تتجاوز أحيانًا 1000 درهم شهريًا. وفي الاتجاه نفسه، تآكلت معاشات متقاعدي RCAR بفعل نسب إعادة تقييم هزيلة (0.8% فقط) ومقتضيات تجميدية خلّفها مرسوم 2021 (رقم 2.20.935)
أما متقاعدو CNSS، فيواجهون إشكالات من نوع آخر: معاشات منخفضة ؛ وحدًا أدنى للمعاش لا يواكب تكاليف المعيشة المتصاعدة؛ إضافة إلى بطء وتعقيد مساطر التصفية والاستفادة، وضعف التنسيق بين التغطية الصحيةعبر التكامل مع (CNOPS) والتغطية التقاعدية، ما يجعل شريحة واسعة منهم تعيش هشاشة مزدوجة: معاش ضئيل وتغطية صحية منقوصة في آن واحد.

بهذا، لم يعد ملف تجميد وتآكل المعاشات محصورًا في صندوق بعينه، بل بات أزمة عابرة لجميع الأنظمة، ما يستدعي معالجة شمولية لا مقاربة مجزأة صندوقًا صندوقًا.

فجوة بين الخطاب والواقع المعيش
تتحدث الرسالة عن “تقاعد كريم”، وعن ضرورة ألا يكون التقاعد “مرادفًا للهشاشة أو الشفقة أو التخلي”، وهي عبارات تلامس بدقة معاناة فئة واسعة من المتقاعدين المدنيين. لكن المفارقة أن هذه المعاناة ليست جديدة، ولا هي غائبة عن أصحاب القرار: فقد سبق لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب أن وجّهت مذكرات ومراسلات متكررة إلى رئيس الحكومة، ورئيسي مجلسي النواب والمستشارين، والمركزيات النقابية، وأغلب الأحزاب السياسية، دون أن تحظى بأي رد يُذكر. هذا الصمت المؤسساتي المطوّل يضع خطاب “الإنصات” و”التضامن الوطني” الوارد في الرسالة موضع تساؤل جدي، إذ يبدو أن المسافة بين الإقرار الرمزي بالحق والاستجابة الفعلية له لا تزال شاسعة.

تجميد المعاشات: أزمة بنيوية لا ظرفية
يشكل تجميد معاشات منخرطي CMR لأكثر من ربع قرن أحد أبرز مظاهر الإقصاء الذي تتحدث عنه الرسالة نفسها دون أن تسميه صراحة بهذا الوضوح. فحين تصل بعض المعاشات إلى ما دون 1000 درهم شهريًا، في ظل غلاء المعيشة المتصاعد، يبقى الحديث عن “مرحلة جديدة من الحياة” أو عن “حقوق فعلية وكاملة” حديثًا نظريًا ما لم يُترجم إلى آليات تفعيل عاجلة، لا إلى وعود مؤجلة إلى غاية 2027 أو حتى 2031. والالتزام الوارد في الرسالة بـ”الرفع التدريجي لمقدار معاشات التقاعد إلى مستوى الحد الأدنى للأجر”، وإن كان مبدئيًا إيجابيًا، يظل مبهمًا في سقفه الزمني وآلياته التمويلية، خصوصًا أن الرسالة نفسها تقر بضرورة “البحث عن موارد جديدة للتمويل”، وهو ما يعني أن الحل مرهون بمعادلة مالية لم تُحسم بعد.
وحجم الظاهرة يتجاوز الحالات الفردية إلى أزمة مجتمعية واسعة: فحسب معطيات نقابية حديثة، يبلغ عدد المتقاعدين المدنيين والعسكريين في المغرب نحو 1.5 مليون شخص، تتراوح معاشات أغلبهم بين 1000 و2000 درهم شهريًا، بينما يعيش نحو 2.5 مليون مسن مغربي خارج أي نظام للتقاعد أصلًا. كما أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 لم يحمل، بحسب متتبعين للملف، أي اختراق يُذكر في معادلة تجاوزت ربع قرن من التجميد، وسط مطالبات بربط أي زيادة في المعاشات تلقائيًا بالزيادات التي يستفيد منها الموظفون النشيطون، على غرار ما تعتمده دول أخرى، بدل تركها رهينة قرارات ظرفية متفرقة.
مطالب هيئة المتقاعدين المدنيين ORCM: تفكيك الملف لا تأجيله
في مقابل الطابع العام لخطاب الرسالة، ظلت مطالب هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب محددة وواضحة، وفي مقدمتها المطالبة بزيادة فورية وعادلة في المعاشات، بمعزل تام عن ورش إصلاح أنظمة التقاعد. ولا يأتي هذا الفصل بين المطلبين اعتباطًا، بل استنادًا إلى قراءة واقعية لطبيعة كل ملف: فإصلاح الأنظمة مسار طويل ومعقد، يمر عبر محطات تشريعية ومالية ودراسات اكتوارية تمتد سنوات من الدراسة إلى المصادقة فالتنفيذ، بينما يُعد تدهور القدرة الشرائية للمتقاعدين أزمة آنية لا تحتمل الانتظار. فمن يتقاضى أقل من 3000 درهم شهريًا لا يملك ترف انتظار “إصلاح شامل” قد لا يرى النور إلا بعد سنوات.
غير أن التجربة، بحسب هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب ORCM ، تكشف عن نمط متكرر في التعاطي الحكومي مع الملف: تعدد اللجن التقنية والقطاعية، وتنظيم اجتماعات واسعة تحت يافطة “الحوار الاجتماعي”، وإطلاق وعود وخطابات لا تُترجم إلى قرارات ملموسة، لتنتهي الحصيلة، في كل مرة، بتمرير الملف بشقيه معًا (الزيادة الفورية وإصلاح الأنظمة) إلى الحكومة الموالية، في حلقة تأجيل متكررة تُفرغ المطلب الأول من طابعه الاستعجالي بربطه قسرًا بمآلات المطلب الثاني الأبطأ وتيرة. وهذا بالضبط ما يفسر لهجة الحذر التي ينبغي أن تُقرأ بها الرسالة المفتوحة: فحديثها عن “مناظرة وطنية حول التقاعد” خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، ثم عن “رفع تدريجي” لمعاشات التقاعد، يعيد إنتاج المنطق ذاته الذي راكم لدى الهيئة شعورًا بأن الزيادة الفورية، المطلب الأكثر إلحاحًا والأقل تكلفة تقنيًا مقارنة بإصلاح شامل للأنظمة، تُستخدم كورقة تفاوضية تُدمج قسرًا في ملف أعقد وأبطأ، بدل معالجتها بشكل مستقل وعاجل كما تطالب به الهيئة.

“جعجعة ولا طحين”: حين يتحدث الميدان بلسانه
صورة أكثر قتامة وتفصيلًا تقدمها هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب، لما تختزله الرسالة المفتوحة في عبارات عامة. فهي تصف اللجنة التقنية المكلفة بملف التقاعد، المتنقلة بين صناديق CMR وRCAR وCNSS وCIMR، بأنها تدور داخل “آلية بالية “لا تنتج سوى الضجيج دون نتائج ملموسة، بينما يظل المتقاعد الحالي غائبًا عن هندسة الإصلاح الذي يُفترض أن يعنيه في المقام الأول، إذ تتركز أغلب النقاشات على “الفئات النشيطة” المقبلة على التقاعد، لا على من يعيشون هشاشته اليوم.
وتتجاوز مطالب هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب ، سقف “الرفع التدريجي” الذي تتحدث عنه الرسالة، لتحدد رقمًا صريحًا:
• زيادة عامة وفورية في المعاشات لا تقل عن 30%
• حد أدنى للمعاش لا يقل عن الحد الأدنى للأجور
• مراجعة دورية للمعاشات تواكب مؤشر غلاء المعيشة بدل تجميدها لعقود
• إنهاء حرمان أبناء المتقاعدين من التعويضات العائلية بمجرد بلوغهم 21 سنة، وهو إجراء يصفه رجاء بأنه يُقصي أبناء الفئات الكادحة من فرص إكمال دراستهم العليا
وتعود الهيئة في كل مراسلاتها وخرجات رئيسها المؤسس للتذكير بمطلب مركزي: فصل ملف الزيادة الفورية عن ورش إصلاح الأنظمة، تفاديًا لتحويله إلى ملف يُرحّل تلقائيًا لحكومة قادمة بفعل صعوبة تصفيته في الآجال المحددة.
واللافت أن هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب  تذهب أبعد من المطالبة التقنية، لوضع الملف في سياق أخلاقي: فالمتقاعد “أب وجد”، ورب أسرة، لا “عبء رقمي مالي” في معادلة عجز الصناديق، ومن العيب والعار أن نجد من بنى هذا الوطن وساهم في رقيه يطالب بحقوقه المشروعة من خلال الوقوف أمام قبة البرلمان وأمام الإدارات في وضعيات صحية صعبة. ويقارن رجاء بين حجم الموارد المالية التي تُصرف في السياسة والانتخابات والصفقات و”أشكال الدعم الفاشل”، وبين ضآلة ما يُخصص لفئة أفنت شبابها في خدمة الإدارة والتعليم والاقتصاد وحماية الوطن، معتبرًا أن أي إصلاح لا يُشرك الهيئات والجمعيات الممثلة لهذه الشريحة، ولا يضمن لها العيش الكريم، هو في نهاية المطاف إصلاح فاشل.

بين الأحزاب والصندوق الانتخابي: من يملك المصداقية؟
لم يبق ملف التقاعد حكرًا على الرسالة المفتوحة لحزب التقدم والاشتراكية وحده؛ فقد أثارته أحزاب أخرى عبر قنوات مختلفة، أبرزها الأسئلة الكتابية داخل البرلمان حول تدهور الأوضاع الاجتماعية لصغار المتقاعدين المدنيين والعسكريين، مطالبةً بإجراءات عاجلة لحماية قدرتهم الشرائية وبتوضيح مآل ورش إصلاح الأنظمة. من جهته، لم يكن حزب العدالة والتنمية بعيدًا عن الملف: فقد اعتبر أحد أعضاء فريقه النيابي أن تأجيل إصلاح صناديق التقاعد كان متوقعًا في ظل عجز الحكومة عن إنجاز إصلاح بهذا الحجم، بل ذهب البعض إلى وصف ترحيل الأزمة للحكومات المقبلة بـ”الجبن السياسي”، فيما انتقدت نائبة أخرى من الحزب إقصاء المتقاعدين من أجندة الحوار الاجتماعي، داعيةً إلى الزيادة المباشرة في المعاشات وحماية مدخرات الصناديق.
غير أن هذا التداخل بين المواقف الحزبية يطرح سؤالًا مشروعًا يستحضره كثير من المتقاعدين أنفسهم: من يملك، من بين هذه الأحزاب، المصداقية الكافية للدفاع عن الملف الحالي، لا فقط عن أفق إصلاحي بعيد؟ فحزب العدالة والتنمية، الذي ينتقد اليوم “ترحيل” الإصلاح، هو نفسه من قاد الإصلاح المقياسي لسنة 2016 حين كان يقود الحكومة، وهو إصلاح لا يزال محل جدل بين من يعتبره ضروريًا لإنقاذ الصناديق من الإفلاس ومن يراه سببًا إضافيًا في تدهور وضعية المتقاعدين. وحزب التقدم والاشتراكية، رغم أسئلته البرلمانية المتكررة ورسالته المفتوحة الأخيرة، لا يزال مطالَبًا بترجمة هذا الحضور الخطابي إلى التزام واضح بالمطلب المحدد الذي ترفعه هيئة المتقاعدين المدنيين: الزيادة الفورية، لا ضمن حزمة إصلاحية شاملة، بل كخطوة مستقلة وعاجلة.
والمتقاعد المغربي، في نهاية المطاف، مواطن كامل المواطنة، له الحق الكامل في أن يختار، عبر صندوق الاقتراع، من يجد في برنامجه وسجله البرلماني والحكومي المصداقية الكافية للدفاع عن ملفه الآني، لا أن يُختزل في “كائن انتخابي” تُستدرج أصواته موسميًا ثم يُنسى إلى حين الاستحقاق التالي. فهذه الفئة التي استُغلت جهودها ومساهمتها منذ عنفوان شبابها في بناء الإدارة والاقتصاد، لا يليق أن تُستغل اليوم مرة أخرى كورقة انتخابية عابرة.

من التمثيلية إلى الاستجابة: سؤال الثقة
إن تكرار مذكرات هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب دون أي رد، من مختلف المخاطَبين بين مؤسسات حكومية وتشريعية ونقابية وحزبية على حد سواء، يكشف عن أزمة أعمق من أزمة المعاش المالي: إنها أزمة تمثيلية وإصغاء. فحين تتحول هذه الفئة، التي “بنت وأنتجت وساهمت” كما تقول الرسالة، إلى صوت لا يُسمع في الفضاء المؤسساتي، يصبح أي خطاب لاحق عن “الكرامة” و”عدم المنّة” مطالَبًا بأن يثبت صدقيته عبر خطوات عملية فورية، لا عبر برمجة انتخابية مرتبطة بأفق حكومي بعيد.

بين الوعد والإنجاز: ماذا ينقص المقاربة؟
تتضمن الرسالة عناصر مهمة كتعميم معاشات التقاعد، وإصلاح إدماج نظامي CNOPS وCNSS، وتحسين التغطية الصحية، وتقريب الخدمات من المسنين. لكن غياب أي إشارة مباشرة لإيجاد حل جدي وواقعي لملف تجميد معاشات CMR تحديدًا، رغم كونه من أكثر الملفات إلحاحًا وتكرارًا في مطالب المتقاعدين، يطرح سؤالًا حول مدى استحضار الرسالة للمذكرات والمراسلات السابقة التي وجهتها هيئة المتقاعدين المدنيين. فالانتقال من الخطاب العام إلى معالجة الملفات العالقة تحديدًا هو ما يمكن أن يحوّل الرسالة من بيان نوايا إلى التزام سياسي قابل للمساءلة.
نحو رؤية شمولية تتجاوز التجزئة
تُظهر القراءة التحليلية الشاملة أن المعاناة الناتجة عن تجميد القيمة الفعلية للمعاشات لا تقف عند حدود الصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، بل تمتد إلى باقي الصناديق الأخرى التي تعيش اختلالات أعمق، مثل الصندوق الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR) وصندوق الضمان الاجتماعي (CNSS)، ما يجعل الاختبار الحقيقي لجدية الالتزامات الحزبية والسياسات العمومية مرهونًا بالانتقال من الخطاب العام إلى الإنصاف الفعلي لجميع الصناديق دون استثناء.

تبقى الرسالة المفتوحة لحزب التقدم والاشتراكية مؤشرًا على أن قضية المتقاعدين بدأت تجد حضورًا في الخطاب السياسي، لكن المسافة الفاصلة بين هذا الحضور الخطابي والاستجابة الفعلية لسنوات من المراسلات دون رد تظل الاختبار الحقيقي لجدية أي التزام مستقبلي. والمحك الأوضح لهذه الجدية هو قبول المطلب الذي ترفعه هيئة المتقاعدين المدنيين بوضوح: فصل الزيادة الفورية والعادلة في المعاشات عن ورش إصلاح الأنظمة، ومعالجتها كأزمة اجتماعية آنية لا كبند ضمن معادلة إصلاحية مؤجلة إلى حكومة تلو أخرى.

خاتمة
إن بناء ثقة متجددة بين المجتمع ومؤسساته يمر حتمًا عبر الاستجابة الفورية لهذا المطلب المركزي. فشعار “الكرامة”، كما تقول الرسالة نفسها، يظل “مسؤولية”، لكنها مسؤولية تُقاس بالأفعال العاجلة لا بالوعود المؤجلة، ولا بتكرار سيناريو اللجن والحوارات التي لا تفضي إلى قرار، بل تتحول إلى آليات أجرية وتدابير حكامة حقيقية تصون المعاش من التآكل، وتضمن العيش الكريم لكل من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى