رأي

محمد الفايد : من نشوة الشهرة إلى جرأة الإساءة للمقدسات

الباحث والفاعل المدني : عبدالعزيز رجاء

تردّدت طويلًا قبل نشر هذا المقال، لسابق معرفتي بالمهندس محمد الفايد حين كان أستاذًا للتعليم العالي بالمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وذلك في إطار تسجيل وبث حلقات برنامج أسبوعي باللغة الفرنسية من، وكنت مسؤولًا عن إعداده وبثه على القناة الأولى.
وأتذكر أن الضيف كان يستشهد كثيرا “في أغلب حلقات البرنامج” بالأحاديث الشريفة معتمدا على كتب السنة ومنها صحيح البخاري. كما كان يقتبس من كتب التفسير بعض النصوص لآيات قرآنية مفسرة.
كما لازلت أتذكر أن الأستاذ كان يحكي لي عن بعض مشاكله مع إدارة المعهد، ومنها قرار عزله وما أعقبه من نزاع، فضلًا عن شكاواه من تأخر تسوية وضعيته المالية وصرف مستحقاته. وكان الفايد يربط تلك الأزمة بمواقفه من قضايا الاستهلاك والمواد الغذائية وبعض الملفات المرتبطة بقطاعي الزراعة والغذاء. وإذ استحضر هذه المعطيات، فإني لا أفعل ذلك إنكارًا لما عاناه الفايد، بل تأكيدًا أن التعاطف مع مظلمة محتملة لا يعني منح صاحبها حصانة من النقد، ولا يجعل كل آرائه اللاحقة صحيحة بالضرورة

بين نقد الدين والاعتداء على المقدسات
حين يناقش الباحث شعيرة دينية بلغة علمية، ويعرض حججه ومصادره، فإن ذلك يدخل في باب الحوار الفكري. أما وصف الصلاة، مثلًا، بأنها مجرد «حركات سخيفة»، فلا يمكن اعتباره تحليلًا فلسفيًا محايدًا؛ لأن الصلاة في التصور الإسلامي ليست حركات بدنية منفصلة عن المعنى، بل عبادة تجمع بين النية والذكر والخضوع والدعاء والانضباط الروحي.
ومن حق أي شخص أن يناقش بعض العادات التي قد ترافق التدين، أو أن ينتقد ممارسات اجتماعية تُنسب إلى الدين دون دليل. لكن التفريق ضروري بين نقد ممارسة بشرية وبين السخرية من أصل العبادة. فالخلط بين الأمرين لا ينتج معرفة، وإنما يخلق استفزازًا مجانيًا ويحوّل النقاش من البحث عن الحقيقة إلى معركة حول العبارات. والأمر نفسه ينطبق على الحديث عن النبي محمد ﷺ. فالنقاش العلمي حول معنى «الأمي» في القرآن واللغة والتفسير مشروع، أما استعمال لفظ «الجهل» في سياق الحديث عن النبي، أو طرح أسئلة بصيغة توحي بأن الأمية نقص في مقامه، فهو تعبير ملتبس لا يليق بمقام النبوة، حتى لو قيل لاحقًا إن الفايد لم يقصد الإساءة. والأمية النبوية، في الفهم الإسلامي، لا تعني انعدام العقل أو الحكمة أو المعرفة، وإنما ترتبط بعدم القراءة والكتابة قبل الوحي، كما في قوله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾. ومن ثم فإن الدقة في اختيار الألفاظ واجبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصه ﷺ الذي يؤمن أكثر من مليار مسلم بأنه ﷺ مبلّغ عن الله ومحل اقتداء وتشريع.

التوحيد القرآني ليس فكرة فلسفية غامضة
من الخرجات التي تستحق التوقف عندها تقديم مفهوم «الله الحقيقي» كما لو أنه لا يُعرف إلا من خلال تأويلات فلسفية أو صوفية مخصوصة، مع الإيحاء بأن الله الذي يتحدث عنه القرآن، بأسمائه وصفاته وأوامر عبادته، ليس سوى صورة شعبية أو تبسيطية لمفهوم أعمق. وقد يُستشهد في هذا السياق بباروخ سبينوزا أو بالحلاج، وكأن تصوراتهما تمثل معيارًا نهائيًا للحقيقة الدينية.
لا مشكلة في دراسة سبينوزا أو الحلاج أو غيرهما، فالفكر الإنساني لا يتقدم إلا بالنقاش والمقارنة والنقد. لكن الخلاف يبدأ عندما تُقدَّم تصورات فلسفية أو تجارب صوفية مختلف فيها بوصفها بديلًا عن التصور القرآني، أو عندما يُختزل التوحيد في فكرة مجردة عن «الوجود المطلق» أو «القوة الكونية» أو «الحقيقة الواحدة»، بما يؤدي عمليًا إلى إفراغ الإيمان من مضمونه التعبدي والأخلاقي.
فالله في القرآن ليس مبدأً فلسفيًا غامضًا، ولا قوة مجهولة وراء الكون، ولا مجرد مفهوم ذهني يتغير بتغير المدارس الفكرية. إنه الخالق والملك والمدبر، العليم بما تخفي الصدور، السميع لدعاء عباده، البصير بأعمالهم، الرحمن الرحيم، الحكيم العدل، والمستحق وحده للعبادة. ويجمع القرآن بين التعريف بالله من خلال أسمائه وصفاته، وبين بيان أثر ذلك في حياة الإنسان وسلوكه، فلا يفصل المعرفة بالله عن الخضوع له والعمل بمقتضى الإيمان به.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ، وقال أيضًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. فالآيتان تربطان بين التوحيد، ومعرفة الله بأسمائه الحسنى، والتوجه إليه بالعبادة والدعاء. وعبارة«فادعوه بها» لا تعني عبادة الأسماء منفصلة عن الله، ولا تعني أن اللفظ يحل محل المسمّى، وإنما تعني أن يُدعى الله بما سمّى به نفسه، وأن يُعرف بما وصف به ذاته، مع الإقرار بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ومن هنا فإن اختزال أسماء الله وصفاته في رموز فلسفية أو تأويلات ذوقية يبتعد عن الوضوح القرآني. فالتنزيه لا يعني نفي الصفات، كما أن إثبات الصفات لا يعني تشبيه الله بالمخلوقات. القرآن الكريم ــ الذي يفتخر المهندس بحفظه كاملا ــ يجمع بين الأمرين: يثبت لله العلم والسمع والبصر والرحمة والحكمة والخلق والملك، وينفي عنه المماثلة والنقص. أما تحويل الله إلى «فكرة» أو «وجود مطلق» لا صلة له بالدعاء والعبادة والوحي والمسؤولية الأخلاقية، فهو ليس تعميقًا بالضرورة للتوحيد، بل قد يكون تفريغًا له من معناه الذي يميز التصور القرآني.
أما سبينوزا، فقد ارتبط تصوره الديني والفلسفي بفكرة وحدة الجوهر أو الطبيعة، وهي رؤية لها مكانها في تاريخ الفلسفة، لكنها ليست مطابقة للتوحيد القرآني؛ لأن القرآن يميز بوضوح بين الخالق والمخلوق، ولا يجعل الله مرادفًا للطبيعة أو مجموع الموجودات. فالقول إن الله هو «الطبيعة» أو إن الموجودات ليست إلا تجليات للجوهر الإلهي يختلف جذريًا عن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. الخالق ليس هو المخلوق، والكون ليس هو الله، مهما حاولت بعض التأويلات أن تذيب الفاصل بينهما بلغة فلسفية أو صوفية.
وبالمثل، فإن دراسة الحلاج وتجربته الصوفية ممكنة من الناحية التاريخية والفكرية، لكن أقواله وتأويلاته ليست قرآنًا ولا وحيًا، وقد اختلف المسلمون في فهمها والحكم عليها. ومن غير المنهجي تحويل تجربة فردية ملتبسة إلى أصل عقدي عام، أو جعل العبارات الرمزية الصوفية بديلًا عن النص القرآني المحكم. فالعقيدة لا تُبنى على العبارات الغامضة التي تحتمل وجوهًا متناقضة، وإنما على نصوص واضحة ومنهج استدلال منضبط. ويظهر الخلل بوضوح عندما تُقابَل عبادة الله بأسمائه وصفاته بالاستخفاف، وكأن الدعاء بـ«الرحمن» أو «الغفور» أو «الحكيم» عبادة للاسم بدل الله. هذا الاعتراض يقوم على فصل مصطنع بين الاسم والمسمى؛ فالمؤمن لا يعبد لفظ «الرحمن»، بل يعبد الله الذي سمّى نفسه الرحمن، ولا يتوجه إلى كلمة «الغفور» بوصفها صوتًا أو حروفًا، بل إلى الله الغفور الذي يرجو رحمته ومغفرته. والقرآن نفسه هو الذي علّم الناس هذا الطريق، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
إن التوحيد القرآني واضح في أصوله: الله واحد لا شريك له، خالق لا مخلوق، معبود لا عابد، متصف بالكمال منزه عن النقص، والإنسان عبد مسؤول أمامه. أما التفاصيل الكلامية والفلسفية التي نشأت في تاريخ المسلمين، أو التأويلات الخاصة لدى بعض الفلاسفة والمتصوفة، فهي اجتهادات بشرية تُدرس وتناقش، لكنها لا تملك أن تحل محل النص القرآني أو أن تعيد تعريف الله بما يناقض صريح التوحيد. وفي السياق نفسه، فإن وصف الصلاة بأنها «حركات سخيفة» لا يمكن الدفاع عنه باعتباره مجرد تعبير فلسفي أو رأي عابر. الصلاة في الإسلام ليست تمارين جسدية بلا معنى، بل عبادة تقوم على التوحيد والذكر والقيام والركوع والسجود والدعاء، وتعبّر عن علاقة العبد بربه. وقد جعلها القرآن من أعظم مظاهر إقامة الدين، فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
ومن حق أي شخص أن يناقش بعض الممارسات التي تُلصق بالصلاة أو أن ينتقد مظاهر التدين الشكلي، لكن السخرية من أصل الشعيرة تتجاوز النقد العلمي إلى التجريح الرمزي لعقيدة ملايين الناس. وهنا يحق للرأي العام أن يتساءل: هل نحن أمام مراجعة فكرية هادئة، أم أمام عبارات صادمة تُستخدم لجذب الانتباه وصناعة الجدل؟ فحتى من يريد نقد بعض القراءات الدينية يستطيع أن يفعل ذلك بلغة دقيقة ومحترمة، دون تحويل العبادة إلى مادة للاستهزاء أو اختزالها في حركات منفصلة عن معانيها الروحية والأخلاقية.

الشهادتان لا ترفعان النبي إلى منزلة الألوهية
من أكثر التأويلات اضطرابًا القول إن شهادة المسلم بأن «محمدًا رسول الله» تجعل النبي في منزلة القداسة مع الله، أو أنها تساوي بين الرسول والخالق. فهذا فهم يتجاهل البنية اللغوية والعقدية للشهادتين معًا. فالشهادة الأولى هي: «أشهد أن لا إله إلا الله»، وهي إعلان صريح لنفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، وإثباتها لله وحده. أما الشهادة الثانية فهي: «وأشهد أن محمدًا رسول الله»، ومعناها الإيمان بأن محمدًا عبد الله ورسوله، المبلّغ عن ربه، وليس إلهًا ولا شريكًا له.
والواو في «وأشهد» لا تفيد المساواة بين المشهود لهما، بل تفيد عطف جملة على جملة. أما مضمون الجملتين فمختلف بوضوح: الأولى تتعلق بالتوحيد والعبادة، والثانية تتعلق بالنبوة والرسالة. ولذلك فإن الجمع بين الشهادتين لا يعني الجمع بين الله ورسوله في مقام واحد، بل يعني أن توحيد الله لا ينفصل عن الإيمان بالرسول الذي بلّغ الرسالة وبيّن طريق العبادة.
حتى من الناحية اللغوية، لا يجوز بناء نتيجة عقدية خطيرة على ملاحظة نحوية مبتورة. ففي قولنا: «أشهد أن لا إله إلا الله»، تأتي «أن» مفتوحة الهمزة ساكنة النون في الرسم والنطق، وقد اختلف النحاة في توجيهها بحسب السياق: فقيل إنها مصدرية، وقيل لها أوجه أخرى في بعض الاستعمالات. أما في قولنا: «أشهد أن محمدًا رسول الله»، فالمشهور في الإعراب أنها «أنَّ» المشددة، وهي من أخوات «إنّ»، تنصب الاسم وترفع الخبر؛ فيكون «محمدًا» اسمها منصوبًا، و«رسول الله» خبرها مرفوعًا.
وهنا ينبغي التنبيه إلى عبارة «محمد رسول الله» نفسها تنص على الرسالة، لا على الألوهية. والرسول، في التصور الإسلامي، عبدٌ لله مصطفى لتبليغ الوحي. وقد كان النبي ﷺ يؤكد نفي الغلو فيه، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». لذلك فإن اتهام الشهادة بأنها تضع النبي في منزلة الله يقوم على قراءة انتقائية لا تسندها اللغة ولا العقيدة الإسلامية.

العلم التجريبي لا يلغي الوحي
قدّم محمد الفايد نفسه سنوات طويلة في مجال التغذية والأعشاب والصحة، وهي مجالات يمكن مناقشة آرائه فيها بالاختبار والبحث والرجوع إلى المتخصصين. لكن الانتقال من هذه المجالات إلى إصدار أحكام نهائية في العقيدة والحديث والتفسير والفلسفة الدينية يحتاج إلى أدوات أخرى.
فالعلم التجريبي يبحث في الظواهر القابلة للملاحظة والقياس والاختبار، ويجيب غالبًا عن سؤال: كيف تعمل الأشياء؟ لكنه لا يجيب وحده عن أسئلة النبوة والغيب والعبادة والغاية من الوجود ومعايير الحلال والحرام. ولذلك فإن تقديم العلم التجريبي بديلًا عن الوحي ليس نتيجة علمية، بل انتقال من مجال معرفي إلى مجال آخر دون تبرير كافٍ. وكما لا يصح أن يستخدم رجل الدين لغة دينية للحسم في مسألة طبية أو فيزيائية دون معرفة، لا يصح أن يتحول المتخصص في مجال التغدية الصحية إلى مرجع نهائي في علوم العقيدة والحديث واللغة بمجرد امتلاكه حضورًا إعلاميًا. الشهرة لا تعوّض التخصص، والجرأة لا تعوّض الدليل.

السنة النبوية ليست منافسًا للقرآن
من القضايا التي تحتاج إلى توضيح مسألة التشكيك في حجية السنة أو الدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن. لا شك أن القرآن هو أصل الوحي ومصدر الهداية الأول، لكن القرآن نفسه أمر بطاعة الرسول واتباعه، وبيّن أن من وظائف النبي ﷺ تبليغ الرسالة وشرح ما نزل إلى الناس.
والصلاة مثال واضح على ذلك. فالقرآن أمر بإقامتها، لكنه لا يذكر في آياته جميع تفاصيل عدد الركعات ومواقيتها وهيئتها العملية. وقد عرف المسلمون هذه التفاصيل من السنة القولية والفعلية المتوارثة. ولذلك فإن نقد بعض الأحاديث أو مناقشة أسانيدها لا يساوي إلغاء السنة كلها.
وقد وضع علماء الحديث مناهج دقيقة لفحص الروايات، وميّزوا بين الصحيح والضعيف والموضوع، ودرسوا اتصال الأسانيد وأحوال الرواة ونقد المتون. وقد توجد روايات ضعيفة أو موضوعة في بعض الكتب، لكن وجود الخطأ في جزء من المرويات لا يبرر إسقاط السنة بأكملها، كما أن وجود أخبار كاذبة في كتب التاريخ لا يعني إلغاء التاريخ كله.

وصف العلماء ب «كهنوت»
من حق أي باحث أن يناقش أفكار ومذاهب العلماء، وأن يبيّن ما يراه صوابًا أو خطأ في اجتهاداتهم. لكن يصفهم بأنهم يمثلون «كهنوتًا» أو أنهم يحتكرون الدين. وهو تبسيط تاريخي لا ينسجم مع طبيعة المؤسسة العلمية الإسلامية. كما أن الإسلام لا يعرف كهنوتًا بالمعنى الكنسي الذي يجعل طبقة دينية وسيطًا ضروريًا بين الإنسان وربه، ولا يقول المسلمون إن العلماء معصومون أو إن أقوالهم وحي. فهم يشرحون النصوص ويجتهدون في فهمها، ويمكن نقدهم والاختلاف معهم، لكن ذلك شيء، وتحويلهم إلى طبقة كهنوتية شيء آخر.

رفض التفسير مع ممارسته
يظهر تناقض آخر عندما يقال إن تفسير القرآن جريمة أو إن إعرابه لا يجوز، ثم يُقدَّم في الوقت نفسه شرح خاص للآيات وتحديد لمعانيها واستخراج لمواقف وأحكام منها. فكل شرح لمعنى الآية وتوجيه لدلالتها هو، من حيث الوظيفة، نوع من التفسير، سواء سُمّي «تدبرًا» أو «قراءة شخصية» أو «فهمًا مباشرًا». فليس المطلوب اعتبار كتب التفسير معصومة من الخطأ، ولا منع الناس من تدبر القرآن. لكن التدبر لا يلغي اللغة والسياق وأسباب النزول وأصول الاستدلال. والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وفهمه لا يتم باقتطاع كلمة أو جملة وبناء نتائج كبرى عليها، خصوصًا في قضايا الاعتقاد والعبادة والتشريع.

من حق الفايد تغيير رأيه، ومن حق الناس مساءلته
ليس تغيير الرأي عيبًا في ذاته؛ فقد يراجع الإنسان مواقفه، ويكتشف أخطاء في أفكاره السابقة، وينتقل إلى قناعات جديدة. لكن الانتقال الكبير من خطاب كان يستند إلى القرآن والسنة وينتقد ما يسمى بالتيارات التنويرية والعلمانية، إلى خطاب يشكك في السنة أو يقلل من شأن بعض الشعائر، ويفتخر بانضمامه ل “شردمة” تستهدف الإسلام والمسلمون ويطلقون على أنفسهم صفة التنويريين، يحتاج إلى تفسير منهجي واضح. فما الذي تغيّر؟ هل كانت مواقف السابقة  للفايد خاطئة؟ وإذا كانت كذلك، فما هي الأدلة التي كشفت خطأها؟ وإذا كانت صحيحة، فما الذي أدى إلى التخلي عنها؟ هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز اعتبارها تشهيرًا أو تضييقًا. فالمتحدث الذي يختار الحضور العلني والتأثير في الجمهور يقبل، بالضرورة، أن تخضع أفكاره للمساءلة والنقد. والرد عليه لا ينبغي أن يتحول إلى سب أو تكفير أو تشهير.
يمكن رفض أفكار الفايد بقوة، وبيان أخطائه اللغوية والتاريخية والمنهجية، دون الطعن في سلامته العقلية أو إطلاق أوصاف شخصية بحقه. فليس من الصواب استبدال إساءة بإساءة، ولا مواجهة الغلو بغلو مضاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى