رأي

ماء العينين : لا ديمقراطية بلا انتخابات ذات مصداقية ومعارضة قوية

الباحث والفاعل المدني : عبدالعزيز رجاء

مصداقية الانتخابات أساس الديمقراطية
ترى أمينة ماء العينين، القيادية في حزب العدالة والتنمية، أن الديمقراطية لا تُختزل في إجراء الانتخابات في مواعيدها أو تشكيل المؤسسات، بل تقوم أساساً على انتخابات نزيهة وتنافس متكافئ يثق المواطن في نتائجه. وتحذر من تحويل الاستحقاقات الانتخابية إلى واجهة شكلية تُهندس نتائجها مسبقاً عبر ما تسميه «الوصفات» أو «الطبخات الانتخابية»، لأن اصطناع القوى وإقصاء المنافسين قد يعمّقان أزمة الثقة ويدفعان إلى العزوف، حتى وإن ظلت المؤسسات قائمة من الناحية الشكلية.

الشرعية السياسية من صناديق الاقتراع
وتؤكد أن الشرعية السياسية ينبغي أن تُستمد من صناديق الاقتراع، لا من التوافقات غير المعلنة أو الامتيازات أو التدخلات المالية. لذلك ترفض إعداد خريطة سياسية مسبقة، وتدعو إلى تطبيق قواعد واضحة تبدأ بالدستور والقانون، وتمر بالحملة الانتخابية والتنافس الحر، وتنتهي بالاحتكام إلى أصوات الناخبين. كما تعتبر أن المال الانتخابي، ولا سيما المرتبط بالأموال المشبوهة وشراء الأصوات، لا يفسد العملية الانتخابية فحسب، بل يهدد المؤسسات والتنمية وثقة المواطنين في الدولة.
وبخصوص المقاطعة، تقر بحق المواطنين في الدعوة إليها، لكنها تشكك في جدواها السياسية؛ إذ إن المؤسسات ستُنتخب مهما انخفضت المشاركة، بينما يظل المجال مفتوحاً أمام الآخرين لملء الفراغ. ومن ثمّ، فإن من يرفض قواعد اللعبة السياسية، في نظرها، يستطيع التأثير بصورة أكبر من داخلها بدل الانسحاب منها.
استمرار العمل السياسي رغم تراجع المقاعد
وتستند في هذا السياق إلى تجربة حزب العدالة والتنمية بعد انتخابات 2021، حين تراجع رصيده من 125 مقعداً إلى 13، معتبرة أن الانكماش الانتخابي لم ينهِ حضوره السياسي والتأطيري. فالعمل الحزبي، وفق هذا التصور، لا يتوقف عند عدد المقاعد، كما أن البرلمان يظل منصة دستورية للتشريع، ومساءلة الحكومة، وطرح قضايا المواطنين، والتواصل معهم. غير أن استمرار الحزب لا يعفيه من السعي إلى النجاح الانتخابي والوصول إلى السلطة عبر الوسائل الدستورية والقانونية.

المعارضة: المراقبة والتأثير لا التنفيذ
تدافع القيادية عن أداء حزبها في المعارضة، مميزة بين ضعف الحكومة وضعف المعارضة. فالمعارضة، بحسب تصورها، لا تُقاس بعدد المناصب أو بحجم الموارد، ولا تُطالب بتقديم حصيلة تنفيذية مماثلة لحصيلة الحكومة، لأنها لا تملك السلطة التنفيذية أو الميزانية أو القطاعات الوزارية. وتتمثل وظيفتها في مراقبة الأداء الحكومي، وكشف الاختلالات، والتنبيه إلى المخاطر، واقتراح البدائل وتأطير المواطنين.
التشخيص والإنذار المبكر للاختلالات
وتعتبر أن الحزب حاول ممارسة هذه الأدوار من خلال تفكيك البرامج الحكومية، ومقارنة الوعود بالنتائج، والاستناد إلى المعطيات والأرقام، وتنظيم الندوات واللقاءات الصحفية. وتستشهد بإثارته المبكرة لاختلالات مرتبطة بسوق المواشي ودعم المربين والمضاربين، معتبرة أن تناول الأغلبية الحكومية لاحقاً لبعض هذه القضايا يؤكد أن المعارضة نبّهت إلى مشكلات حقيقية قبل أن تتحول إلى موضوع نقاش عام.
التأثير في النقاش العمومي
كما تربط نجاح المعارضة بقدرتها على التأثير في النقاش العمومي وفرض قضاياها ومفاهيمها على أجندة الخصوم. فالمعارضة الناجحة ليست بالضرورة التي تمنع الحكومة من تمرير القوانين، بل التي تجعلها مضطرة إلى الرد على تشخيصها ومناقشة الملفات التي تطرحها.

الحزب بين المشروع المجتمعي والتداول الديمقراطي

ترفض اختزال العمل الحزبي في البرامج التقنية والأرقام الانتخابية، مؤكدة أن الحزب يحتاج إلى مشروع مجتمعي وفلسفة سياسية واضحة تشرح للمواطن الغايات التي توجه الوعود والسياسات المتعلقة بالدولة والاقتصاد والمجتمع. فالتأطير الفكري، في هذا المنظور، جزء أساسي من وظيفة الأحزاب، والسياسة ليست مجرد تدبير إداري، بل تنافس بين أفكار ومشاريع مجتمعية. ففي تقييم تجربة العدالة والتنمية، تستحضر مرحلة ما بعد حراك 2011، وترى أن الحزب تبنى خيار «الإصلاح في إطار الاستقرار» وأسهم في تدبير مرحلة سياسية حساسة، قبل أن ينتقل إلى المعارضة ويمارس دوره من موقع جديد. وترى أن التداول بين الحكومة والمعارضة جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، وأن العودة إلى تدبير الشأن العام، إذا جدد الناخبون الثقة، ينبغي أن تُفهم باعتبارها نتيجة للتنافس السياسي لا مجرد رغبة في السلطة.

مكافحة الفساد وقراءة المبادرات في سياقها
وترفض اختزال تجربة الحزب في عبارة «عفا الله عما سلف»، مؤكدةً أن مكافحة الفساد لا تُقاس بتصريح منفرد، بل بما يُعتمد من قوانين وإجراءات وسياسات عملية. كما تدعو إلى قراءة المبادرات المتعلقة باسترجاع الأموال والممتلكات ضمن سياقها السياسي والقانوني، ومن بينها «المساهمة الإبرائية» التي هدفت إلى تمكين الدولة من استعادة أموال وأصول موجودة خارج المغرب، مقابل تسوية وضعيتها وفق شروط محددة. وتوضح أن هذه المبادرة لم تكن حكراً على حكومة العدالة والتنمية، بل شكّلت سياسة للدولة استُعملت في مراحل لاحقة، بما فيها المرحلة الحكومية الحالية؛ لذلك، فإن توظيفها لتقديم الحزب باعتباره متبنياً لعدم محاسبة الفساد يظل حكماً يحتاج إلى وضعه في سياقه العام، بعيداً عن التعميم والاقتطاع من السياق.

خلاصة المواقف
ينبني هذا الخطاب على ثلاث أفكار مترابطة: مصداقية الانتخابات، وفعالية المعارضة، ووضوح المشروع المجتمعي. فالديمقراطية لا تُحمى بمجرد تنظيم الاقتراع، ولا تُستعاد بالمقاطعة، بل بضمان نزاهة التنافس وشفافية القواعد وإقناع المواطن بأن صوته قادر على صناعة النتيجة. أما الحكم النهائي، فيظل بيد الناخب الذي يقيّم أداء الحكومة والمعارضة، ويحدد ما إذا كان الحزب يستحق فرصة جديدة في تدبير الشأن العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى