رأي

حين يتحول نقد العلماء إلى تشويش على العلم قراءة عقلانية في دعوى: «ابن تيمية ليس رياضيًا ولا يفقه الفلسفة لأنها مبنية على السؤال»

بقلم: الدكتورة سومية حكيم | باحثة في العلوم الشرعية والإنسانية

مقدمة: من يملك الحقيقة حين يدخل اسم العالم إلى قاعة النقاش؟

هناك لحظة دقيقة في كل نقاش فكري: حين يتوقف الحوار عن فحص الفكرة، ويبدأ في فحص صاحبها. عندها لا يعود السؤال: هل هذه الحجة صحيحة؟ بل يتحول إلى: من قالها؟ وما تخصصه؟ وما موقعه؟ وما الذي نعتقده فيه؟ وهنا يبدأ الخطر.

فالعلم لا يسأل عن نسب الفكرة قبل أن يسأل عن دليلها، ولا يمنح الحقيقة لصاحب لقب أكاديمي، كما لا يسلبها عن صاحب عمامة أو منبر أو كتاب قديم. الحجة لا تصبح صحيحة لأن قائلها عالم، ولا تصبح باطلة لأن قائلها غير متخصص في مجال آخر.

وهذه ليست مجاملة للعلماء، بل دفاع عن منطق العلم نفسه. فإذا قلنا إن ابن تيمية أخطأ، فليكن السؤال: أين أخطأ؟ وإذا قلنا إنه لم يفهم الفلسفة، فليكن السؤال: ما الدليل على عدم فهمه؟ وإذا قلنا إن نقده للمنطق غير دقيق، فلتُعرض مقدماته ونتائجه، ويُبيَّن موضع الخلل.

أما أن نستبدل تفكيك الحجة بوصف صاحبها، فذلك ليس نقدًا علميًا؛ بل انتقال من نقد الفكرة إلى محاكمة الهوية.

أولًا: لا ندافع عن ابن تيمية لأنه ابن تيمية

هذه النقطة يجب أن تكون محسومة منذ البداية. ليس من المنهج العلمي أن نقول:

«ابن تيمية عالم، إذن كل ما قاله صحيح.»

هذا تحويل للعلم إلى سلطة مغلقة، والعلم لا يقوم على العصمة البشرية.

لكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة:

«ابن تيمية أخطأ في بعض المسائل، إذن هو لا يفهم الفلسفة والمنطق.»

هذه النتيجة لا تلزم من مقدمتها. فالعالم قد يصيب في علم ويخطئ في آخر، وقد يكون قويًا في مجال ومحل نظر في مجال آخر، وقد يكون نقده لمسألة صحيحًا ونقده لمسألة أخرى قابلًا للاعتراض.

الإنصاف العلمي لا يعني تقديس العالم، كما أن نقد العالم لا يعني إسقاطه. المنهج الصحيح هو أن نقرأ النص، ونحدد الدعوى، ونفحص مقدماتها، ونختبر الاستدلال، ثم نصدر الحكم.

ثانيًا: ما الدعوى التي نناقشها تحديدًا؟

القول محل هذا التفكيك منسوب، بحسب المقطع المصور المتداول، إلى الدكتور محمد الفايد، ومفاده — كما ورد في المقطع المشار إليه — أن ابن تيمية ليس رياضيًا ولا يفقه الفلسفة لأنها مبنية على السؤال.

وهنا ينبغي أن نكون دقيقين جدًا: المقال لا يحاكم الدكتور محمد الفايد، ولا يناقش مجمل مشروعه الفكري، ولا يصدر حكمًا على شخصه. نحن نناقش دعوى محددة ونختبر بنيتها.

وهذه قاعدة ضرورية في الكتابة النقدية: لا تحارب الشخص حين تستطيع تفكيك العبارة.

ثالثًا: هل عدم كون ابن تيمية رياضيًا يبطل نقده للفلسفة؟

الجواب المنهجي: لا.

كون ابن تيمية لم يكن عالم رياضيات بالمعنى التخصصي الحديث أمر لا مشكلة في تقريره أصلًا؛ فإسقاط التصنيف الأكاديمي المعاصر على علماء القرون السابقة يحتاج إلى احتراز تاريخي.

لكن حتى لو سلمنا بالمقدمة، فإن النتيجة لا تتبع منها. فعدم التخصص في الرياضيات لا يثبت عدم فهم المنطق أو الفلسفة.

وهنا يقع الخلط بين أمرين: التخصص في العلم، والقدرة على مناقشة حجة في مجال معين.

قد يكون الشخص غير متخصص في علم ما، ومع ذلك يستطيع تقديم اعتراض فلسفي على بعض مقدماته أو مناقشة منهجه، وقد يكون متخصصًا فيه ومع ذلك يخطئ.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس:

هل كان ابن تيمية رياضيًا؟

بل:

ما مستوى اطلاعه على المادة التي ينتقدها؟ وهل كان يفهم المقولات التي يعترض عليها؟ وهل اعتراضاته قابلة للفحص العلمي؟

هذا سؤال علمي. أما السؤال الأول، فلا يكفي وحده لإصدار الحكم.

رابعًا: من نقد الحجة إلى نقد صاحبها

في المنطق، لا تُفحص الحجة من خلال صفات صاحبها، بل من خلال بنيتها.

إذا قال شخص:

المقدمة الأولى: كذا.
المقدمة الثانية: كذا.
إذن: النتيجة كذا.

فالمهمة العلمية هي فحص:

  1. هل المقدمات صحيحة؟
  2. هل العلاقة بين المقدمات والنتيجة صحيحة؟
  3. هل توجد مقدمة مخفية؟
  4. هل وقع خلل في الاستدلال؟
  5. هل الاعتراض يناقش القول الحقيقي أم نسخة مشوهة منه؟

أما قولنا:

«هو ليس رياضيًا، إذن لا يفهم.»

فهو لا يجيب عن أي واحد من هذه الأسئلة. وهنا تكمن المشكلة: صفة القائل لا تُغني عن نقد القول.

خامسًا: ماذا تقول مؤلفات ابن تيمية؟

هنا تدخل الأدلة النصية.

من أبرز مؤلفات ابن تيمية ذات الصلة المباشرة بالمنطق والفلسفة:

الرد على المنطقيين

درء تعارض العقل والنقل

وهذان العملان مهمان في النقاش ليس لأن وجود كتاب يعني تلقائيًا أن صاحبه كان مصيبًا في كل ما قاله، وإنما لأنهما يقدمان مادة واسعة يمكن من خلالها اختبار مدى اشتغاله الفعلي على قضايا المنطق والفلسفة ومصطلحاتهما ومناقشاتهما.

وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من مجرد القول:

«كتب في الفلسفة، إذن هو فيلسوف.»

لا.

كما لا يصح أن نقول:

«انتقد الفلسفة، إذن هو جاهل بها.»

أيضًا لا.

وجود المؤلفات دليل على الاشتغال العلمي الجاد بالموضوع، لكنه ليس شهادة عصمة ولا حكمًا نهائيًا على جودة كل استنتاج.

وهذه نقطة تجعل المقال أكثر قوة؛ لأننا لا نثبت دعوانا بالمبالغة.

سادسًا: أين يبدأ الخلاف العلمي الحقيقي؟

هنا يصبح النقاش أكثر إثارة.

يمكن للمتخصص أن يقول:

نعم، ابن تيمية قرأ المنطق وناقشه، لكنه أخطأ في فهم بعض القضايا أو بالغ في نقد بعض صور القياس.

هذا اعتراض علمي مشروع.

ويمكن لباحث آخر أن يرى أن ابن تيمية قدم نقدًا عميقًا لبعض الأصول المنطقية. وهذا أيضًا يمكن بحثه.

لكن أن نقفز من:

«هل كان نقده دقيقًا؟»

إلى:

«هو لا يفقه الفلسفة أصلًا.»

فهذه قفزة تحتاج إلى دليل مستقل.

وهنا يظهر الفرق بين النقد العلمي والحكم الانطباعي:

الدعوى

الحكم المنهجي

لم يكن ابن تيمية رياضيًا بالمعنى التخصصي الحديث

دعوى يمكن بحثها تاريخيًا

ناقش المنطق والفلسفة في مؤلفات واسعة

تدل عليه مؤلفاته

كان نقده للمنطق دقيقًا في كل جزئية

مسألة تحتاج إلى دراسة متخصصة

أخطأ في بعض المسائل

يمكن إثباته أو مناقشته في مسائل محددة

لم يكن يفقه الفلسفة مطلقًا

دعوى واسعة تحتاج إلى دليل قوي

نقده للفلسفة باطل لأنه ليس رياضيًا

لا تلزم منطقيًا

الخاتمة: لا تجعلوا اسم العالم حجابًا عن الحقيقة

ربما تكون المشكلة الأعمق في هذا النوع من النقاشات أننا نبحث أحيانًا عن انتصار الشخص بدل أن نبحث عن انتصار الحقيقة.

فنحن لا نحتاج إلى ابن تيمية معصومًا حتى ندافع عن حقه في أن يُقرأ بعدل، كما أننا لا نحتاج إلى إسقاطه حتى نثبت استقلال العقل.

العالم ليس صنمًا، والناقد ليس قاضيًا مطلقًا، والحقيقة ليست ملكًا لأحد.

إذا أخطأ ابن تيمية، فلنقل: أخطأ، ولكن سمّوا الخطأ. وإذا أصاب، فلنقل: أصاب، ولو لم يكن ذلك منسجمًا مع موقفنا المسبق.

وإذا اختلف الباحثون حول فهمه للمنطق أو الفلسفة، فلنترك الخلاف في ساحته الطبيعية: النص، والتحليل، والدليل، والبحث المتخصص.

فأخطر ما يمكن أن يحدث للعلم ليس أن يخطئ عالم؛ فالخطأ جزء من تاريخ المعرفة. الأخطر أن نستبدل سؤال: «هل هذا صحيح؟» بسؤال: «من قاله؟»

عندها لا نكون قد نقدنا العالم، بل نكون قد أضعفنا العلم.

ولهذا فالمعيار الذي ينبغي أن يحكم الجميع بسيط، لكنه قاسٍ:

لا تسأل أولًا من قال القول؛ اسأل: ما دليله؟

ثم إذا أردت أن تهدم فكرة، فاهدمها من داخلها، لا من خلال صاحبها.

فحين ننتصر للأشخاص نخسر الحقيقة، وحين ننتصر للمنهج، حتى خصومنا يصبحون مادةً لتقدم العلم.

يتبع.. / .. ✍️

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى