
بين تشجيع الاستثمار ودعم المقاولة الوطنية، توجد مقاولات صغيرة وناشئة تجد نفسها أمام واقع مختلف تماماً: مساطر تحصيل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS، وما قد يترتب عنها من حجز على الحسابات البنكية وتراكم للزيادات والذعائر.
لا أحد يعترض على حق الصندوق في تحصيل مستحقاته، ولا على ضرورة أداء الاشتراكات، لكن السؤال الحقيقي هو: هل ينبغي أن يتم التحصيل بطريقة تهدد بقاء المقاولة نفسها؟
فالمقاولة الصغيرة تعتمد غالباً على حساب بنكي محدود لتأدية الأجور، وتسديد الموردين، وتمويل نشاطها. وعندما يتم الحجز على هذا الحساب، فإن النتيجة قد لا تكون مجرد اقتطاع دين مستحق، بل شللاً للدورة المالية للمقاولة.
تواصل.. لكن دون حل
قد يكون هناك تواصل بين المقاول ومصالح CNSS، لكن الإشكال، كما يراه عدد من المقاولين، هو أن هذا التواصل قد يبقى شكلياً وغير منتج.
يشرح المقاول وضعه، ويعرض صعوباته، ويطلب مهلة أو جدولة، ثم يعود دون حل عملي يجنبه الإجراءات القسرية، ليجد نفسه في النهاية أمام الحجز البنكي.
فالمقاول لا يحتاج فقط إلى من يستمع إليه، بل يحتاج إلى حل يمكنه من الاستمرار والأداء.
«المبلغ قليل».. ولكن بالنسبة إلى من؟
ومن الإشكالات التي يطرحها بعض المقاولين أيضاً مسألة تقسيط الديون. فقد يُنظر إلى مبلغ معين على أنه «قليل» من منظور مؤسسة تتعامل مع شركات ومبالغ كبيرة، وبالتالي لا يستدعي التقسيط أو إعادة الجدولة.
لكن ما يبدو قليلاً في حسابات المؤسسات أو الشركات الكبرى، قد يكون مبلغاً ثقيلاً جداً بالنسبة إلى مقاول ناشئ لا يزال في بداية الطريق، وإمكاناته المالية محدودة.
وهنا يجب أن يكون المعيار ليس فقط قيمة الدين، وإنما قدرة المقاولة الفعلية على الأداء.
فألف أو عشرة آلاف أو حتى عشرات الآلاف من الدراهم قد تكون أرقاماً عادية في حسابات مقاولة كبيرة، لكنها قد تمثل بالنسبة إلى مقاولة ناشئة أجور عمال، أو مصاريف شهر كامل، أو رأس المال الذي تحتاجه لمواصلة نشاطها.
الزيادات تزيد الخناق
والأخطر أن المقاولة لا تواجه أصل الدين وحده، بل قد تتراكم عليها زيادات وذعائر وأعباء مرتبطة بالتأخير وإجراءات التحصيل.
وهكذا تصبح المعادلة:
تأخر في الأداء → زيادات وأعباء → صعوبة أكبر في التسوية → حجز الحساب → اختناق السيولة → خطر توقف المقاولة.
وهنا تتحول وسيلة التحصيل إلى عامل قد يساهم في إنتاج أزمة أكبر من الدين نفسه.
من يحمي الأجير إذا أغلقت المقاولة؟
المفارقة أن المقاولة التي يتم خنق سيولتها قد تعجز عن أداء أجور العمال والموردين، وقد تضطر في النهاية إلى تقليص نشاطها أو إغلاق أبوابها.
وبذلك لا يخسر المقاول وحده، بل يخسر الأجير أيضاً، ويخسر الاقتصاد مقاولة كان يمكن أن تستمر وتكبر وتؤدي اشتراكاتها لسنوات.
لذلك فإن المطلوب ليس إعفاء المقاولات من التزاماتها تجاه CNSS، وإنما إيجاد تحصيل أكثر ذكاءً ومرونة، يفرق بين المتهرب من الأداء والمقاول المتعثر الذي يريد الأداء لكنه يحتاج إلى جدولة واقعية.
فالمقاولة التي تستمر في العمل يمكنها أن تؤدي ديونها.
أما المقاولة التي تُخنق حتى تتوقف، فمن أين ستؤدي؟
السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم هو: هل نريد تحصيل الدين، أم القضاء على مصدر الدين؟
إن حماية حقوق CNSS مهمة، لكن حماية المقاولة والأجير واستمرارية النشاط الاقتصادي مهمة أيضاً.
لا تقتلوا مصدر الاشتراكات باسم تحصيل الاشتراكات.
ملحوظة تحريرية
وانطلاقاً من مسؤوليتنا الإعلامية في فتح النقاش حول هذا الملف، سنستضيف في برنامج «ضيف إطلالة» مجموعة من أرباب المقاولات التي تقول إنها تضررت من إجراءات الحجز والتحصيل والزيادات المرتبطة بملفاتها لدى CNSS، للاستماع إلى شهاداتهم والوقوف على حجم الأضرار التي لحقت بمقاولاتهم وأثر هذه الإجراءات على نشاطهم وعلى الأجراء.
كما سنحرص على إتاحة المجال أمام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لتقديم توضيحاته وموقفه، لأن القضية تستحق نقاشاً مسؤولاً وصريحاً يبحث عن حلول تحفظ حقوق الصندوق، دون أن تتحول مساطر التحصيل إلى سبب في انهيار المقاولات الناشئة.





