الاجتهاد والتجديد في الدين بين الادعااء والاستيفاء… حين يتصدر «المشككون الجدد» المنابر الرقمية: محمد الفايد نموذجا (2)
من سلطة الشهرة إلى وهم الخبرة... أين تنتهي حدود التخصص وتبدأ أهلية القول في الدين؟

الدكتورة دنيا تامري
باحثة في قضايا الفكر الإسلامي، والتواصل الإنساني، والقيمي،والتحولات المعرفية في الفضاء الرقمي.
خطابات تحت المجهر | ملف محمد الفايد | المقال الثاني | #إلا_رسول_الله
مدخل سياقي ومنهجي
إن مداد العلم لا يسخر للخصومة، بل للبصيرة؛ ولا تستقيم المعرفة بالصخب، بل بالحجة، ولا تحفظ المقامات بالتجريح، بل بأدب الاختلاف وصدق البرهان.
ومن هذا المنطلق، حين نضع بعض خطابات محمد الفايد تحت مجهر البحث والتمحيص، فإننا لا نقصد شخصه، ولا ننشغل بما قد يجر إليه السجال من ردود وانفعالات وتجريح متبادل؛ فذلك كله لا يقدم للحقيقة دليلا ولا يؤخرها. وإنما نناقش ما قيل، وكيف قيل، وبأي أدوات استدل عليه، وما الأثر الذي يمكن أن يصنعه هذا النوع من الخطاب حين يصدر عن شخصية واسعة الحضور في الفضاء الرقمي.
ونحن، إذ نفعل ذلك، نلتزم أدبا لا نراه ضعفا، وهدوءا لا يعني التنازل عن قوة الموقف. فالمساس بالمقام النبوي الشريف ليس عندنا تفصيلا عابرا، ولا مادة للاستفزاز الإعلامي أو صناعة الجدل؛ بل هو مساس بمقدس عظيم له مكانه في عقيدة الأمة ووجدانها. ولذلك يكون الدفاع عنه أرفع حين يستند إلى العلم، وأقوى حين يلتزم الإنصاف، وأبلغ حين لا ينحدر إلى اللغة نفسها التي ينتقدها.
وليس من مقاصد هذا المقال أن يصادر على أحد حقه في السؤال أو البحث أو المخالفة؛ فالعلم لا يعيش إلا بالسؤال، والاجتهاد لا ينمو إلا بالنظر والمراجعة. غير أن بين حق السؤال وأهلية التصحيح مسافة علمية لا تختصرها الجرأة، ولا تتجاوزها الشهرة، ولا تلغيها كثرة المتابعين.
ومن أصول هذا المنهج التواضع العلمي؛ فالإنسان، مهما بلغ من المعرفة، يظل معرضا للصواب والخطأ، ولا تتحول مكانته العلمية إلى عصمة فكرية. وفي المعنى المشهور المنسوب إلى الإمام الشافعي: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». وليس المقصود بهذا المعنى تمييع الحقائق أو التسوية بين القول المحقق والقول الواهي، وإنما ألا يجعل الباحث ذاته معيارا للحقيقة، وأن يبقى مستعدا للمراجعة متى ظهر له دليل أقوى.
لكن التواضع العلمي لا يعني التسوية بين الرأي والتحقيق، ولا بين الانطباع والتخصص، ولا بين السؤال المشروع والحكم الذي يقدم نفسه بصفة المرجعية. كما أن أدب الاختلاف لا يعني الصمت حين تتحول المغالطة إلى خطاب واسع التأثير، أو حين تستعمل السخرية والتحقير بديلا عن مناقشة المخالف.
وهنا تحديدا تبدأ القضية التي يعالجها هذا المقال.
فلسنا في هذه الورقة بصدد تفصيل مفهوم الاجتهاد والتجديد في علوم الدين وشروطهما وضوابطهما عند أهل هذا الفن؛ فذلك موضوع مستقل نتركه لمقام آخر. وإنما نقف عند مسألة أكثر تحديدا: حدود التخصص وأهلية القول، ونبدأ من المنطق العلمي الغربي الذي يستند إليه الخطاب نفسه.
فإذا كانت العلوم الحديثة الغربية، بما فيها الرياضيات والفيزياء وما يندرج في الخطاب تحت مسمى «العلوم الكونية»، مما يكثر صاحب الخطاب، محمد الفايد، من استدعائه والاحتكام إليه بوصفه بوصلة للمعرفة والفهم، بل ويتم الاحتكام إليه كذلك في النظر والترجيح في قضايا من علوم الدين الإسلامي نفسها، فمن مقتضيات الاتساق العلمي أن نسأل هذه العلوم من داخل أدبياتها الأكاديمية: ماذا تقول عن حدود الخبرة والتخصص؟ وهل تمنح الكفاءة في علم معين صاحبها أهلية تلقائية للحكم والترجيح في سائر العلوم، أم أن لكل تخصص مجاله وأدواته ومناهجه وشروط التأهل للقول فيه؟
ثم كيف تنظر هذه المنظومة الأكاديمية نفسها إلى علوم الشريعة والدراسات الإسلامية؟ أتعاملها بوصفها مجالا بلا تخصص، أم علوما ودراسات لها أدواتها ومناهجها ومساراتها العلمية؟
وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحا واتصالا بالبيئة الرقمية نفسها: قد تصنع المنصات شهرة، وتضاعف الانتشار، وتمنح صاحب الخطاب حضورا واسعا؛ لكن هل تمنحه هذه الشهرة خبرة في كل ما يتحدث فيه، مهما كان التخصص؟ وماذا يحدث للمتلقي حين تختلط لديه قوة الحضور بقوة الحجة، ويقدم الرأي خارج مجال الاختصاص في صورة معرفة راسخة أو حقيقة محسومة؟
وكيف تتضاعف المسؤولية حين يتعلق الأمر بمعتقدات دينية ومقدسات تمس وجدان الإنسان وهويته وخصوصيته العقدية، وحقه في أن يصان وعيه وتحترم حريته الدينية؟
ثم ماذا يحدث حين ينتقل النقاش من نقد القول إلى تحقير قائله، ومن فحص الدليل إلى وصف المخالف بالجهل أو الانتقاص من مستواه؟ وهل يضيف ارتفاع الصوت أو السخرية أو الاستفزاز شيئا إلى صحة البرهان؟
هذه الأسئلة لا تنطلق من خصومة شخصية، وإنما من مسؤولية علمية وشرعية وإعلامية؛ لأنها تمس حدود القول في علوم الدين وحرمة المقدسات، وتتصل كذلك بكيفية تشكل السلطة المعرفية الرقمية، وبالفرق بين التأثير والخبرة، وبين الشهرة والمرجعية، وبين الجرأة على القول وأهلية القول.
ولهذا سيكون ميزاننا واضحا:
ما الدعوى؟ ما دليلها؟ في أي علم تقع؟ وهل يمتلك صاحبها أدوات ذلك العلم؟
فإذا صمد القول أمام هذا الاختبار، فالحقيقة أولى أن تتبع أيا كان قائلها. وإذا لم يصمد، فلن تنقذه كثرة المشاهدات، ولا قوة النبرة، ولا وهج الاسم، ولا اتساع الجمهور
المحور الأول: هل محمد الفايد مؤثر رقمي؟ وما حدود تأثيره؟ وما مجال تخصصه؟
بعد الأسئلة التي طرحها المدخل السياقي والمنهجي، ننطلق من معطى واضح لا يحتاج إلى كثير جدل: محمد الفايد شخصية ذات حضور وتأثير معتبرين في الفضاء الرقمي، وقد استطاع أن يبني جمهورا واسعا وثقة متراكمة حول خطابه، انطلاقا من المجال الذي عرف واشتهر فيه أساسا . غير أن قوة التأثير لا تساوي، في ذاتها، قوة الخبرة؛ كما أن اتساع الشهرة لا يحول صاحبها تلقائيا إلى مرجع في كل ما يتحدث فيه.
وهنا يلزم التمييز بين أربعة مفاهيم كثيرا ما تختلط في البيئة الرقمية: الشهرة، والتأثير، والخبرة، والمرجعية. فالشهرة تعني أن يعرفك الناس، والتأثير يعني أن يكون لخطابك قدرة على تشكيل بعض مواقفهم أو اختياراتهم، أما الخبرة فتعني امتلاك تكوين ومعرفة وأدوات في مجال محدد، في حين أن المرجعية العلمية تفترض أهلية تثبت داخل ذلك المجال، لا بمجرد كثرة المتابعين أو قوة الحضور..
وتؤكد دراسات التأثير الرقمي أهمية هذا التمييز؛ إذ تبين أن الثقة والمصداقية وما يسمى الخبرة المدركة Perceived Expertise تؤدي دورا مهما في استعداد الجمهور لقبول خطاب المؤثر. والمقصود بالخبرة المدركة أن تتكون لدى المتلقي، مع تكرار الحضور واستمرار الثقة، صورة مستقرة مفادها: «هذا يعرف ما يقول». وقد تكون هذه الصورة في محلها ما دام الكلام داخل المجال الذي تأسست فيه تلك الثقة، لكن السؤال الحاسم يبدأ حين يتغير المجال.
فالثقة التي اكتسبها الشخص في علم معين لا تصبح، بمجرد انتقاله إلى موضوع آخر، دليلا على امتلاكه الخبرة نفسها فيه. وهنا نصل إلى موضع الإشكال في حالة محمد الفايد. فالمجال الأكاديمي الموثق له هو الميكروبيولوجيا الغذائية، كما ارتبط جانب كبير من حضوره الجماهيري بالتغذية والاعشاب والوصفات العلاجية الطبيعية. غير أن خطابه تجاوز هذا المجال إلى موضوعات متعددة، من بينها قضايا تتصل بالدين الإسلامي، والقرآن، والسنة، والسيرة، والتفسير ومصادر التلقي الديني.
وهنا لا يكون السؤال: هل يملك الحق في القراءة أو السؤال أو إبداء الرأي؟ فهذا حق لا ينازعه فيه أحد. السؤال هو: هل تنتقل صفة الخبير معه تلقائيا من المجال الذي ثبت فيه تخصصه إلى مجال العلم الشرعي والتنظير فيه؟ فالطبيب المبرز لا يصبح قانونيا لمجرد تفوقه في الطب، وعالم الفيزياء لا يصبح جراحا لمكانته في الفيزياء، كما أن المتخصص في الميكروبيولوجيا الغذائية لا يصبح، بمجرد ثقافته الواسعة أو حضوره الجماهيري، متخصصا في الحديث أو التفسير.
وهذا ليس انتقاصا من أحد، بل هو صميم احترام العلم. فلا توجد في النظام الأكاديمي شهادة تسمى «الدكتوراه في كل شيء». ومن هنا يمكن اختزال المسألة في قاعدة بسيطة: أثق بالمتخصص فيما ثبت تخصصه فيه، ولا أحول هذه الثقة إلى تفويض معرفي مفتوح في كل ما يقول.
فقد يتابع المتلقي شخصا سنوات في مجال معين، فتترسخ لديه صورته بوصفه خبيرا، ثم ينتقل هذا الشخص إلى مجال جديد، وتنتقل معه الصورة القديمة قبل أن يثبت ما إذا كانت انتقلت معها خبرة جديدة. فتتحول العبارة في ذهن بعض المتلقين من: «أثق به فيما تخصص فيه» إلى: «أثق به فيما يقول».
وهنا قد ينشأ ما يمكن وصفه بـوهم اتساع الخبرة: أن تكون للشخص خبرة حقيقية في مجال محدد، ثم تتمدد صورتها في وعي الجمهور حتى تبدو وكأنها أهلية عامة تشمل كل ما يخوض فيه. ولا يحتاج هذا التحليل إلى اتهام الجمهور بالسذاجة، كما لا يحتاج إلى افتراض نية التضليل عند صاحب الخطاب؛ فالذي يعنينا هنا هو الأثر المعرفي: ثقة تكونت في سياق معين، ثم انتقلت إلى سياق آخر لم تثبت فيه الأهلية نفسها.
وتزداد حساسية هذا الانتقال حين يكون المجال الجديد متعلقا بالدين؛ لأن أثر القول لا يقف عند معلومة عابرة، بل قد يمتد إلى معتقدات الناس، وفهمهم للقرآن والسنة، ونظرتهم إلى مصادر دينهم وإلى العلماء المشتغلين بها. وقد يقبل المتلقي حكما لا لأن دليله هو الأقوى، بل لأن قائله يحمل في ذهنه صورة «الخبير» التي تكونت في مجال آخر.
وهنا يصبح السؤال الفاصل: هل الذي منح القول وجاهته قوة دليله، أم قوة صورة قائله؟ وهذه نقطة مركزية في كل خطاب علمي؛ فالعلم لا يطلب منا أن نسأل فقط: من قال؟ وإنما: بأي دليل قال؟ وفي أي علم قال؟ وما حدود خبرته في ذلك العلم؟
ومن هنا تظهر كذلك مسؤولية صاحب الجمهور الواسع. فكلما ازدادت الثقة به، ازدادت الحاجة إلى أن يميز بوضوح بين ما يقوله بصفته متخصصا وما يقوله بصفته قارئا أو صاحب رأي خارج مجال تخصصه؛ لأن الثقة العلمية ليست شيكا معرفيا على بياض.
وعند هذه النقطة لا نكون قد أغلقنا النقاش، بل نكون قد وصلنا إلى عتبته الأكثر إثارة: فإذا كانت الثقة لا تنتقل تلقائيا من مجال إلى آخر، فكيف تنظر فلسفة المعرفة والأدبيات الغربية إلى الخبير حين يغادر ميدانه ثم يتحدث في تخصص مختلف بسلطة الخبير؟ وهل يكفي الانتقال بين المجالات لاكتساب الأهلية، أم أن الفكر المعاصر رسم لهذا الانتقال حدودا دقيقة، وسمى بعض صوره تجاوز حدود الخبرة المعرفية Epistemic Trespassing؟
من هنا ننتقل إلى المحور الثاني، حيث يصبح السؤال أكثر تحديدا: متى يتحول اتساع الخطاب من تنوع مشروع في الاهتمامات إلى تجاوز فعلي لحدود الخبرة؟
المحور الثاني: «أصحاب صفر في الرياضيات» تحت مجهر العلم: متى يتحول تجاوز التخصص إلى تضليل معرفي؟
ليس الإشكال في أن ينتقل الباحث أو صاحب التخصص من مجال إلى آخر، ولا في أن يقرأ خارج حدود تكوينه أو يناقش قضايا متعددة؛ فهذا من طبيعة المعرفة واتساع الاهتمام. إنما يبدأ الإشكال حين تنتقل معه سلطة الخبير نفسها، فيصدر في مجال جديد بصفة المصحح والمرجح والناقد لأهله، من غير أن يثبت امتلاكه أدوات ذلك المجال ومناهجه.
وتزداد حساسية هذا الانتقال حين يتعلق الأمر بمجال يمس معتقدات الناس، ومصادر تلقيهم الديني، وفهمهم للقرآن والسنة والسيرة والتفسير؛ لأن أثر القول هنا لا يقف عند حدود رأي شخصي، بل قد يمتد، مع اتساع الجمهور والثقة بصاحب الخطاب، إلى تشكيل تصورات المتلقين تجاه قضايا دينية مركزية.
وقد تناولت فلسفة المعرفة الحديثة هذا الإشكال من خلال مفهوم Epistemic Trespassing، أي تجاوز حدود الخبرة المعرفية، الذي يصف انتقال الخبير إلى إصدار أحكام في مسائل تقع خارج نطاق خبرته المتخصصة. ولا يراد بهذا المفهوم إغلاق أبواب المعرفة بين العلوم، وإنما تقرير قاعدة منهجية دقيقة: الخبرة في علم ما لا تنتقل تلقائيا مع صاحبها إلى كل علم آخر ينتقل إليه.
ومن هنا يلزم التمييز بين الانفتاح المعرفي وسلطة الخبير. فمن حق الإنسان أن يقرأ ويسأل ويناقش ويعرض ما فهمه، لكن الانتقال من ذلك إلى تصحيح أقوال المشتغلين بعلم آخر، والترجيح بينها ونقضها، يرفع مستوى الدعوى ويجعل صاحبها مطالبا بأدوات المجال الذي دخل إليه، لا بالمكانة التي اكتسبها في مجال سابق.
وهذا لا يعني تحصين السابقين من النقد، ولا افتراض عصمة العلماء أو صحة الأقوال لمجرد قدمها. يمكن أن يخطئ السابق، ويمكن أن يأتي المتأخر بما هو أصح منه؛ لكن من يدعي التصحيح مطالب بأن يقدم دليلا أقوى في محل النزاع. فالجديد لا يصبح صحيحا لأنه جديد، ومخالفة قول قديم لا تصبح تجديدا لمجرد أنها خالفته؛ وإنما العبرة بالدليل وبأدوات العلم الذي تقع فيه القضية.
وعند هذا الحد تكتسب عبارة محمد الفايد: «سيقول أصحاب صفر في الرياضيات هذا ملحد» أهميتها بوصفها نموذجا يمكن اختبار بنيته المعرفية. ولن نتناول هنا ما تتضمنه العبارة من سخرية أو انتقاص من المخالف؛ فذلك له موضعه في المحور التالي. ما يعنينا الآن هو استدعاء الرياضيات نفسها بوصفها معيارا للحكم في قضية دينية وتفسيرية.
فإذا كان الخلاف متعلقا بدلالة لفظ قرآني، كانت اللغة والسياق والاستعمال من أدوات النظر فيه. وإذا كان تفسيريا، كانت مناهج التفسير ووجوه الدلالة والترجيح جزءا من البحث. وإذا بني الحكم على الحديث أو السيرة، كانت للمصادر والروايات ومناهج النقد والتحقيق وظيفتها. ومن ثم يصبح السؤال منهجيا قبل أن يكون سجاليا: ما الذي يضيفه مستوى المخالف في الرياضيات إلى صحة أو بطلان قوله في مسألة من هذا النوع؟
وليس في ذلك أي تقليل من الرياضيات أو من صرامتها، بل هو احترام لطبيعة البرهان نفسه. فلكي يكون الدليل حجة، ينبغي أن تكون له صلة فعلية بالدعوى التي يراد إثباتها. فالبرهان الرياضي يعمل في القضية التي تقبل البرهنة الرياضية، والتجربة في القضية التجريبية، والتحليل اللغوي حين يكون النزاع في اللغة والدلالة.
وهنا يظهر الفرق بين الاستدلال بالعلم واستعارة هيبة العلم. الأول يستعمل أدوات العلم في موضعها، أما الثاني فيستدعي اسم علم ذي مكانة عالية من غير أن يبين الصلة المنهجية بين أدواته والقضية محل النزاع. فالعلم لا يحتج باسمه؛ وإنما يحتج بأداته، وصحة البرهان تتحدد بصلته بالمسألة لا بهيبة العلم الذي استدعي اسمه.
وحتى لو سلمنا، على سبيل الجدل، بأن بعض المخالفين ضعفاء في الرياضيات، فإن ذلك لا يثبت خطأهم في مسألة لغوية أو تفسيرية. فقد يكون غير المتخصص في الرياضيات مصيبا في اللغة، كما قد يكون الرياضي البارع مخطئا في التاريخ أو القانون أو الطب إذا حكم فيها من غير أدواتها. فالضعف في علم لا تتوقف عليه القضية لا يمثل ردا على الحجة في علم آخر.
لكن هذا المعيار يفرض بدوره شرطا لا يقل أهمية: الاتساق. فإذا كانت الكفاءة في الرياضيات تستدعى للتشكيك في أهلية المخالف، فمن المشروع أن يسأل عن موقع المتكلم نفسه من العلم الذي يستدعي سلطته. والمسار الأكاديمي الموثق لمحمد الفايد يقع في الميكروبيولوجيا الغذائية وما يرتبط بعلوم الأغذية والتكنولوجيا الحيوية، لا في تخصص أكاديمي في الرياضيات أو الفيزياء.
ولا يترتب على ذلك أن نصفه، في المقابل، بأنه «صفر في الرياضيات»؛ لأننا بذلك نعيد إنتاج الخلل نفسه. فعدم التخصص لا يعني الجهل المطلق، كما أن الاطلاع على علم ما لا يساوي التخصص فيه. والمطلوب فقط أن يطبق المعيار على الجميع بالقدر نفسه؛ فمن يستدعي تخصصا لتحديد أهلية الآخرين ينبغي أن يقبل أن تحدد أهليته هو أيضا بالقاعدة ذاتها.
ويصبح الإشكال أعمق حين يمتد الخطاب إلى طبيعة التخصص في المجال الديني نفسه، ويقدم البحث في القرآن أو الحديث أو التفسير كما لو كان مجالا لا يحتاج إلى تأهيل خاص يميزه عن مجرد القراءة العامة. وهنا لا يعود النقاش حول حق الإنسان في التدبر أو التفكير، وإنما حول سؤال معرفي أدق: هل الدراسات الإسلامية والبحث في مصادر الدين حقول معرفية لها أدوات ومناهج وتكوين، أم أنها استثناء من مبدأ التخصص الذي نطالب باحترامه في بقية العلوم؟
ولأن الخطاب يستعين كثيرا بالمرجعية العلمية والأكاديمية الغربية حين يتحدث عن الرياضيات والفيزياء والعقلانية والمنهج، فمن الإنصاف أن نختبر هذه المسألة بالمرجعية نفسها، لا لكي نجعل الغرب حكما على صحة الدين، وإنما لنرى هل النظام الأكاديمي الذي يستدعى بوصفه نموذجا للدقة يلغي التخصص عندما يصل إلى دراسة الإسلام.
فجامعة Oxford، على سبيل المثال، تقدم برنامجا أكاديميا متخصصا هو MPhil in Islamic Studies and History. ولا يقوم هذا البرنامج على قراءة عامة في الإسلام، بل على التدريب اللغوي، والرجوع إلى المصادر الأولية، والبحث المتخصص تحت الإشراف، وإنجاز عمل أكاديمي مؤصل. وتدخل ضمن مجالات الدراسة فيه موضوعات مثل القرآن وتفسيره، والحديث، والقانون الإسلامي، والتصوف، وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي.
ودلالة هذا المثال ليست في شهرة الجامعة، وإنما في منطقها المعرفي: فالباحث الذي يدخل مجال Islamic Studies لا تعفيه خبرته السابقة في الرياضيات أو الفيزياء أو الطب من لغة النصوص ومصادرها ومناهج دراستها؛ بل يعاد، بمجرد دخوله المجال الجديد، إلى أدوات ذلك المجال نفسه.
ويظهر المنطق ذاته في Harvard؛ حيث نجد ضمن Islamic Studies مقررات أكاديمية متخصصة من بينها Islamic Religious Sciences، تتناول منهجية البحث في القرآن والحديث والقانون الإسلامي، إلى جانب دراسة العربية الكلاسيكية وغيرها من الأدوات المتصلة بالنصوص والمصادر.
ولا يعني الاستشهاد بـOxford أو Harvard أن الدراسة الأكاديمية الغربية تطابق التأهيل الشرعي التقليدي، أو أن خريج هذه البرامج يصبح بمجردها مفتيا أو مجتهدا. كما لا يعني أن الغرب يمنح علوم الإسلام مشروعيتها. إنما الشاهد محدد: المرجعية الأكاديمية الغربية نفسها التي تستدعى بوصفها نموذجا للعلم لا تنظر إلى القرآن والحديث والدراسات الإسلامية باعتبارها مجالا بلا تخصص، بل تتعامل معها بوصفها حقولا لها لغاتها ومصادرها ومناهجها وتكوينها.
ومن ثم، لا يستقيم منهجيا أن يكون التخصص حجة ملزمة حين نتحدث عن الرياضيات والفيزياء والطب، ثم يفقد معناه حين نصل إلى Islamic Studies أو إلى البحث في القرآن والحديث والتفسير. فإما أن نحترم التخصص باعتباره قاعدة معرفية، وإما أن نستخدمه انتقائيا بحسب موقعه من الحجة.
والقرآن الكريم نفسه يوجهنا عند عدم العلم إلى أهل المعرفة، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. ولا نحتاج هنا إلى تحميل الآية أكثر من موضع الاستدلال؛ فالمعنى الذي يعنينا واضح: من لم يعلم رجع إلى من يعلم.
ولهذا فإن كون القرآن موجها إلى الناس كافة لا يعني أن تتساوى مراتبهم في التفسير والاستنباط والترجيح. فمن حق المسلم أن يقرأ ويتدبر ويسأل ويناقش، لكن بين القراءة والتدبر وبين التصحيح والترجيح ونقض أقوال المشتغلين بالعلم فرق في مستوى الدعوى وما تحتاجه من تأهيل ودليل. وبعبارة جامعة: حق القراءة والتدبر والسؤال شيء، وأهلية التصحيح والترجيح شيء آخر.
ولسنا هنا بصدد تفصيل شروط الاجتهاد أو التفسير أو التأهل في الحديث والفقه والأصول؛ فذلك يحتاج إلى ميزان تلك العلوم نفسها وله موضعه الخاص. وما يهمنا في هذا المحور أن النتيجة قد اتضحت: فلسفة المعرفة الحديثة تقر بحدود الخبرة، والمنهج الأكاديمي لا ينقل سلطة الخبير تلقائيا من تخصص إلى آخر، وحتى الأكاديمية الغربية التي يستدعيها الخطاب تعامل الدراسات الإسلامية بوصفها مجالا معرفيا متخصصا.
وعند هذا الحد يمكن ضبط المقصود بعبارة «التضليل المعرفي» في عنوان المحور. فالمقصود ليس الحكم على نية المتكلم، ولا القول إن كل تجاوز لحدود التخصص تضليل متعمد؛ وإنما وصف أثر معرفي محتمل ينشأ حين تقدم دعوى خارج مجال الخبرة بسلطة الخبير وثقته، فيختلط على المتلقي وزن القائل بوزن الدليل، وتكتسب الفكرة قوة من الصورة العلمية لصاحبها أكثر مما تكتسبها من أدوات العلم الذي تنتمي إليه.
وهنا يكمن الخلل بدقة: قد تنتقل هيبة الخبير من مجال إلى آخر، بينما لا تنتقل معها أدوات الخبرة بالسرعة نفسها.
وبذلك يصبح الميزان واضحا: إذا كانت القضية رياضية فميزانها البرهان الرياضي، وإذا كانت فيزيائية فميزانها أدوات الفيزياء، وإذا كانت لغوية فميزانها اللغة، وإذا كانت تفسيرية أو حديثية أو فقهية فميزانها مصادر تلك العلوم ومناهجها وأدواتها. أما استدعاء علم لا تعمل أدواته في محل النزاع، فقد يمنح الخطاب مظهرا علميا، لكنه لا يمنحه برهانا.
وعلى هذا الميزان، فإن عبارة «أصحاب صفر في الرياضيات» لا تبطل، بذاتها، حجة لغوية أو تفسيرية؛ لأنها لا تجيب عن صلة الرياضيات بالقضية، ولا عن موقع صاحب العبارة نفسه من التخصص الذي استدعاه، ولا عن الأدوات التي يحملها إلى المجال الذي اختار أن يصحح فيه.
غير أن هذه العبارة تكشف وجها آخر لا يتعلق هذه المرة بحدود الخبرة، بل بطريقة إدارة الخلاف نفسه. فإذا كان وصف المخالف بضعفه في الرياضيات لا يجيب عن حجته، فما الذي تضيفه السخرية والتجهيل ورفع النبرة إلى قوة البرهان؟ عند هذه النقطة ينتقل الفحص بصورة طبيعية من أهلية القول إلى أخلاق الحجاج وطريقة التعامل مع المخالف.
المحور الثالث: حين تحل الإهانة محل البرهان: من نقد الحجة إلى تحقير المخالف ومسؤولية المؤثر
إذا كان المحور السابق قد انتهى إلى أن وصف المخالف بأنه من «أصحاب صفر في الرياضيات» لا يجيب عن حجته ولا يثبت بطلان قوله، فإن العبارة تفتح أمامنا مستوى آخر من التحليل: ماذا يحدث حين يغادر النقاش ميدان الدليل، ويتحول إلى التجهيل والسخرية والسب والتعميم ورفع النبرة والانتقاص من صاحب الرأي؟
هنا لا نعود أمام سؤال متعلق بصحة الفكرة فقط، بل أمام طريقة إدارة الخلاف نفسه. فالنقاش العلمي قد يكون شديدا، وقد يكون الرد حازما وصريحا، لكن شدته تستمد مشروعيتها من قوة الحجة لا من إهانة المخالف. أما حين تصبح الأوصاف الجارحة بديلا عن تحديد موضع الخطأ ومناقشة الدليل، فإن مستوى الخطاب يهبط من النقد العلمي إلى العدوان اللفظي.
وفي الخطاب محل الدراسة لا تقف المسألة عند عبارة «أصحاب صفر في الرياضيات». فقد وردت تعبيرات من قبيل «يا جهلاء»، و**«الكهنوت»، و«تجار الدين المطرودين من الابتدائي»**، إلى جانب عبارات أخرى لا نرى حاجة إلى إعادة نشرها هنا؛ احتراما لأخلاق البحث وإكراما للقارئ الكريم.
ولا يتعلق الاعتراض هنا بمجرد كون هذه الألفاظ قاسية؛ بل بوظيفتها داخل النقاش. فما الذي تضيفه عبارة تحقيرية إلى البرهان؟ هل تحدد موضع الخطأ؟ هل تنقض دليلا؟ هل تثبت فساد مصدر؟ هل تقدم حجة بديلة؟ لا شيء من ذلك يدخل، في ذاته، في بنية البرهان.
ولهذا يميز علم الاتصال بين Argumentativeness، أي القدرة على مناقشة المواقف والأفكار بالحجة، وبين Verbal Aggressiveness، أي انتقال المواجهة من نقد الفكرة إلى مهاجمة الشخص أو الانتقاص منه. وهذا التمييز مهم؛ لأنه يسمح بوصف السلوك الحجاجي نفسه من غير أن نحول المقال إلى تشخيص نفسي لصاحب الخطاب أو حكما على شخصيته.
وحين يتراجع الرد على الدليل ويتقدم التجهيل والسب والتحقير، فإن ذلك يكشف ضعفا في الأداء الحجاجي في ذلك الموقف. فمن يملك جوابا علميا لا يحتاج إلى إهانة صاحب السؤال حتى يجيبه. وإذا كان المخالف مخطئا، فليحدد موضع خطئه، وليبين فساد استدلاله، وليقدم ما هو أقوى منه. أما استبدال ذلك بالشتيمة والتجريح والتعنيف اللفظي، فلا يقوي الرد، بل ينقل المواجهة من ميدان الحجة إلى ميدان الخصومة.
وتصبح المسألة أشد خطورة حين يتحول الانتقاص من شخص بعينه إلى تعميم على فئة كاملة. فالتعميم هنا مشكلة مستقلة؛ إذ إن التعميم لغة الجهل لا لغة العلم. فوجود خلاف مع عالم أو داعية أو فقيه لا يسوغ اختزال المشتغلين بحقل كامل في وصف واحد من قبيل «الجهلاء» أو «الكهنوت»، ولا يجعل تراث قرون طويلة كتلة واحدة يمكن إسقاطها بكلمة. فالعلم يفكك، ويخصص، ويميز؛ والمطلوب تحديد الأقوال وأصحابها وموضع الخطأ فيها، لا تحويل المخالفين جميعا إلى فئة ساخرة يسهل إسقاطها أمام الجمهور.
وهنا تحديدا تظهر مسؤولية المؤثر. فصاحب الجمهور الواسع لا ينقل إلى الناس معلومات فحسب؛ بل يقدم لهم، شاء أم أبى، نموذجا في التفكير وطريقة الاختلاف. والمتلقي، ولا سيما الشاب، قد لا يتعلم مضمون القول وحده، بل يتعلم أيضا كيف يخاطب مخالفه، وما الذي يعده قوة، وما الذي يراه علامة على الانتصار في النقاش.
وقد بينت دراسات تجريبية في السلوك التنظيمي أن التعرض للفظاظة يمكن أن ينشط أنماطا ذهنية وسلوكية مرتبطة بها، وأن أثرها قد يمتد إلى تفاعلات لاحقة. والمقصود هنا ليس أن كل من يسمع خطابا خشنا سيعيد إنتاجه آليا، وإنما أن اللغة الخشنة قابلة للتطبع والانتقال اجتماعيا، خاصة حين تصدر عن شخصية تحظى بالثقة والتأثير.
ومع تكرار هذا النموذج قد تختلط على بعض المتلقين الحدود بين القوة العلمية والقوة اللفظية؛ فتسمى الإهانة «جرأة»، والتصنيف «حسما»، والسخرية «انتصارا»، ورفع الصوت «قوة في الموقف»، بينما قد تبقى الحجة الأصلية بلا جواب.
وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد ذوق لغوي. فإذا كان صاحب الخطاب يتصدى لقضايا تمس القرآن والسنة ومعتقدات الناس، ويقدم نفسه في مقام التصحيح أو المراجعة أو إعمال العقل، فإن طريقة خطابه نفسها تصبح جزءا من مسؤوليته. فمن يتصدر للتوجيه لا يقدم للناس أفكاره فقط، بل يقدم أيضا نموذجا في كيفية ممارسة العقل والخلاف.
ولهذا فإن اللغة المهينة، وفي بعض المواضع الأقرب إلى السوقية منها إلى النقاش العلمي الرصين، لا تنسجم مع مقام من يريد أن يقدم نفسه منظرا في الدين، أو صاحب مشروع إصلاحي، أو قدوة في إعمال العقل. فالمشكلة ليست في أن يخالف أو ينتقد؛ وإنما في أن يتحول أسلوب الخلاف نفسه إلى رسالة ضمنية مفادها أن تحقير المخالف جزء من قوة الحجة.
وبهذا المعنى، لا يصلح هذا الأسلوب أن يقدم بوصفه قدوة في النقاش العلمي أو الديني. فالقدوة لا تقاس بجرأة ما تقول وحدها، بل كذلك بقدرتك على ضبط نفسك حين يعترض عليك الآخر، وعلى الفصل بين نقض القول وإهانة قائله، وبين قوة الحجة ودناءة العبارة.
وتظهر المفارقة بصورة أوضح حين نقابل هذا الأسلوب بالتراث العلمي الذي توجه إليه أحيانا أوصاف التحقير والتعميم. فهذا التراث لم يعرف الخلاف والمناظرة فحسب، بل عرف كذلك آداب البحث والمناظرة وأدب الحوار مع المختلف، ووضع قواعد لضبط الاعتراض والجواب ومنع النقاش من التحول إلى خصومة شخصية.
ومن أبرز من أسهم في تقعيد هذا الباب شمس الدين السمرقندي، الذي طور نظرية عامة في آداب البحث والمناظرة، تقوم على تنظيم السؤال والاعتراض والجواب وضبط مسار الحجاج. وهذه الحقيقة وحدها تكشف أن تصوير التراث العلمي الإسلامي بوصفه فضاء يرفض السؤال أو لا يعرف آداب النقاش صورة لا تستقيم تاريخيا.
وقد نقل عن الإمام الشافعي قوله: «ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ». ونقل عنه كذلك قوله ليونس الصدفي بعد اختلافهما في مسألة: «ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة؟». كما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل في إسحاق بن راهويه: «وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا».
ولا يعني الاستشهاد بهذه النماذج أن تاريخ العلماء كان خاليا من الشدة أو الخصومة، ولا نحتاج إلى رسم صورة مثالية غير واقعية. المقصود أضيق وأوضح: كان يمكنك أن تختلف، وأن ترد، وأن تبطل قول خصمك، وأن تبقى مع ذلك عالما بأدب الخلاف وحدود الكلمة.
كما أن تصوير المشتغلين بعلوم الدين، بالجملة، وكأنهم كانوا بعيدين عن العقل أو العلوم الأخرى لا يصمد تاريخيا. فـابن رشد كان فقيها مالكيا وقاضيا وطبيبا وفيلسوفا، وكتب في الفقه والطب والمنطق والفلسفة، وابن النفيس كان طبيبا بارزا وفقيها شافعيا وكتب في أصول الفقه والمنطق إلى جانب الطب. ولا يعني ذلك أن علماء المسلمين جميعا كانوا موسوعيين؛ وإنما تكفي هذه النماذج لإبطال صورة التعميم.
والدلالة التي تهمنا هنا أن الموسوعية المعرفية حين وجدت كانت قائمة على التعلم والتأهل في أكثر من فن، لا على إلغاء التخصصات ولا تحقير أهلها.
أما الأقوال المتعلقة مباشرة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والسنة، والسيرة، ومصادر التلقي الديني، وما قيل في السابقين والعلماء، فسنترك تفصيلها للمقال الموالي؛ لأنها تحتاج إلى معالجة مستقلة بميزان العلم الذي تنتمي إليه، نصا بنص، ومصدرا بمصدر، ودعوى بدعوى، بعيدا عن الانفعال والردود العامة.
فالذي نحرص عليه في هذا المقال هو تثبيت الفارق بين النقد العلمي والخصومة الشخصية. فإذا تبين خطأ قول المخالف، فالمطلوب بيان موضع الخطأ ودليله، وإذا كان القول باطلا فإبطاله يكون بالحجة الأقوى، وإذا احتيج إلى مراجعة ما استقر من أقوال أو تصورات فالمراجعة حق متى امتلكت أدواتها. أما السب فلا يصحح دليلا، والسخرية لا تنتج برهانا، والتعميم لا يصنع علما، ورفع الصوت لا يحول الرأي إلى حقيقة.
وهنا تبلغ مسؤولية المؤثر معناها الكامل: كلما اتسع جمهوره، لم يعد مسؤولا فقط عن ماذا يقول، بل كذلك عن كيف يقوله؟ وما هي ادبياته في الاختلاف ؟ لان قيمة الخطاب العلمي تظهر في لحظة الخلاف تحديدا: وفي القدرة على الفصل بين نقد الفكرة وإهانة الإنسان، وبين قوة البرهان وقسوة العبارة، وبين الجرأة العلمية والاستعلاء على المخالف.
خاتمة
في القضايا التي تمس عقيدة الأمة ومقدساتها ومصادر تلقيها الديني، لا تكفي الجرأة لتصنع علما، ولا الشهرة لتمنح مرجعية، ولا مخالفة المألوف لتؤسس تجديدا. فالقول يوزن بدليله، والتصحيح يثبت بأدوات العلم، لا بقوة الحضور ولا بحدة الخطاب.
والمنهج لا يقبل ازدواج المعايير؛ فلا يستقيم أن نطالب الآخرين بحدود التخصص ثم نتجاوزها، ولا أن نستدعي هيبة علم في قضية لا تعمل فيها أدواته. فكلما عظمت الدعوى، عظمت معها مسؤولية الدليل، والتأهيل، والتواضع العلمي.
وليس كل اعتراض اجتهادا، ولا كل مخالفة تجديدا، ولا كل خطاب واثق معرفة. وإنما الميزان هو: الدليل قبل الاسم، والمنهج قبل الشهرة، والتخصص قبل التصدر، والأدب قبل الخصومة.
ويبقى فوق ذلك كله أصل لا يقبل المساومة: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم، وعلماؤنا، ومصادر ديننا ومقدساتنا شأن الأمة كلها، وحرمتها خط أحمر؛ فلا نقبل أن تكون مجالا للتهكم أو الاستهزاء أو العبث الخطابي، ولا يكون الخوض فيها إلا بعلم وأدب واحترام وتعظيم ومسؤولية.
المصادر والمراجع
أولا: القرآن الكريم والتفسير
– القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 43.
– ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة النحل، الآية 43.
ثانيا: المصادر العربية
– البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، مناقب الشافعي، تحقيق السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث، القاهرة، 1970.
– ابن عدي الجرجاني، أبو أحمد عبد الله بن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997.
ثالثا: المراجع والدراسات الأجنبية
– Ballantyne, Nathan. “Epistemic Trespassing.” Mind, Vol. 128, No. 510, 2019, pp. 367–395.
– Ballantyne, Nathan. Knowing Our Limits. Oxford University Press, 2019.
– Han, Jiseon, and George Balabanis. “Meta-analysis of Social Media Influencer Impact: Key Antecedents and Theoretical Foundations.” Psychology & Marketing, Vol. 41, No. 2, 2024, pp. 394–426.
– Infante, Dominic A., and Charles J. Wigley III. “Verbal Aggressiveness: An Interpersonal Model and Measure.” Communication Monographs, Vol. 53, No. 1, 1986, pp. 61–69.
– Infante, Dominic A., and Andrew S. Rancer. “Argumentativeness and Verbal Aggressiveness: A Review of Recent Theory and Research.” Communication Yearbook, Vol. 19, 1996, pp. 319–352.
– Foulk, Trevor, Andrew Woolum, and Amir Erez. “Catching Rudeness Is Like Catching a Cold: The Contagion Effects of Low-Intensity Negative Behaviors.” Journal of Applied Psychology, Vol. 101, No. 1, 2016, pp. 50–67.
– Belhaj, Abdessamad. “Ādāb al-Baḥth wa-al-Munāẓara: The Neglected Art of Disputation in Later Medieval Islam.” Arabic Sciences and Philosophy, Vol. 26, No. 2, 2016, pp. 291–307.
– Faid, Mohamed, et al. “Almond Paste: Physicochemical and Microbiological Characterization and Preservation with Sorbic Acid and Cinnamon.” Journal of Food Protection, Vol. 58, No. 5, 1995, pp. 547–550.
– University of Oxford. MPhil in Islamic Studies and History.
– Harvard University, Department of Near Eastern Languages and Civilizations. Histories and Cultures of Muslim Societies.
– Stanford Encyclopedia of Philosophy. Ibn Rushd [Averroes].
– Sánchez, Ignacio. “Ibn al-Nafīs.” In A Literary History of Medicine. Brill, 2019.
*سلسلة :خطابات تحت المهجر* الملف الاول: د.محمد الفايد ” إلا رسول الله ﷺ ” تفكيك منهجي مؤصل لخطاب محمد الفايد في مسألة أمية النبي ﷺ https://itlalapress.ma/2026/09/02/سلسلة-خطابات-تحت-المهجر-الملف-الاول-د/
اضغط هنا لقراءة الحلقة الاولي https://itlalapress.ma/2026/09/02/سلسلة-خطابات-تحت-المهجر-الملف-الاول-د/



