رأي

المتقاعد بين وعود الأحزاب والمزايدات الانتخابية

عبدالعزيز رجاء * الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM)

أرقام بلا أرضية: حين تتحول الوعود الانتخابية إلى مزايدة حزبية

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، وجدت فئة المتقاعدين والمتقاعدات نفسها في قلب الخطاب الانتخابي المغربي، لا باعتبارها شريحة اجتماعية تستحق سياسة عمومية متكاملة، بل كخزان أصوات يُغازل بأرقام براقة. فبين حزب يتعهد برفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وآخر يعد بزيادة مباشرة قدرها 2000 درهم، وثالث يطمح إلى رفع المعاشات بنسبة 25 في المائة، تبدو البرامج الانتخابية وكأنها مزاد علني على “الرقم الأكبر”، لا مشروعاً مجتمعياً لإصلاح منظومة التقاعد.
سخاء في الوعد، صمت في تقديم الحساب
اللافت في هذه الوعود ليس سقفها المرتفع، بل غيابها التام عن الإجابة على السؤال الجوهري: من أين ستُموَّل هذه الزيادات؟ فحين يتحدث حزب عن معاش كامل بنسبة 100 في المائة للأرامل بدل النصف المطبق حالياً، فإن الأثر المالي لهذه الإجراءات على صناديق تقاعد تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية معروفة يبقى غائباً عن النقاش العمومي. الوعد يُقدَّم كأنه قرار إداري بسيط، بينما هو في الحقيقة قرار له كلفة تُقاس بمليارات الدراهم على المدى المتوسط والبعيد.
هذا الصمت ليس تفصيلاً عابراً؛ فصناديق التقاعد في المغرب – سواء الخاصة بالقطاع العام أو الخاص – تعرف منذ سنوات نقاشاً تقنياً حاداً حول استدامتها المالية، إلى درجة أن بعض الأحزاب نفسها تعترف ضمنياً بحجم الأزمة حين تطالب بـ”افتحاص مالي ومحاسبي إلزامي” لهذه الصناديق.
إعادة تقييم المعاشات بالنسبة لغلاء المعيشة: وعد تقني بلا كلفة مُعلنة
من بين المقترحات الأكثر جديّة من الناحية التقنية، تبرز فكرة “إعادة تقييم المعاشات بالنسبة لغلاء المعيشة” التي تبنتها بعض الأحزاب، والقاضية بربط مراجعة المعاشات تلقائياً بمؤشر التضخم وغلاء المعيشة. هذه الآلية، رغم وجاهتها من حيث العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية، تحتاج بدورها إلى مصدر تمويل دائم ومتجدد، لا مجرد التزام سياسي في برنامج انتخابي. فربط المعاشات بالتضخم يعني، عملياً، التزاماً مالياً متصاعداً كل سنة، وهو ما يستوجب تصوراً دقيقاً لموارد الصناديق أو لمساهمة الدولة، وهو ما لم يرد بشكل واضح في أي من البرامج المطروحة.
بين الوعد والوفاء: ذاكرة قصيرة أم انتخابية؟
يكفي العودة إلى الاستحقاقات الانتخابية السابقة لملاحظة أن هذا النمط من الوعود ليس جديداً. فكثير من “الوعود الرقمية” التي رفعتها أحزاب مشاركة في حكومات سابقة لم تجد طريقها إلى التنزيل، بل تحولت أحياناً إلى مصدر إحراج سياسي حين طولبت تلك الأحزاب نفسها بتفسير الفجوة بين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية. وحين يُلاحظ أن بعض هذه “الوعود” يتكرر برقم مشابه (3000 درهم كحد أدنى) عند أكثر من حزب، يصبح مشروعاً التساؤل: هل هو توافق موضوعي حول حاجة اجتماعية ملحة، أم مجرد محاكاة تكتيكية لرقم أثبت جاذبيته الانتخابية دون أن يخضع لدراسة أكتوارية ومالية تعمقة؟
غياب الحزب الوحيد الذي لم يراهن بالأرقام
في المقابل، يستحق موقف الحزب الذي فضّل عدم تقديم أرقام محدودة نقاشاً خاصاً. فتجنب المزايدة الرقمية قد يُقرأ إيجاباً كنوع من الواقعية السياسية التي تدرك أن أي التزام رقمي بلا دراسة مالية مسبقة هو التزام هش. لكنه في المقابل يُقرأ سلباً حين لا يقترن بأي بديل واضح؛ فغياب الرقم لا يعني تلقائياً وجود رؤية إصلاحية أكثر جدية، بل قد يعكس أيضاً تردداً أو رغبة في تفادي الحساب أمام الناخبين لاحقاً.
الأسئلة التي تتهرب منها أحزاب الأغلبية
المفارقة لا تكمن فقط في سخاء الوعود الانتخابية الحالية – وهي فعلاً سخية جداً، بل في توقيتها. فحين تعد الأحزاب المشاركة في الحكومة الخارجة اليوم بحلول جذرية لم تجرؤ على تنزيلها طوال خمس سنوات كاملة من التدبير الفعلي، يصبح مشروعاً أن يُسأل: هل تمتلك الحكومة المقبلة – وهي في الغالب ستضم الأحزاب نفسها أو جزءاً كبيراً منها – عصا موسى السحرية أو خاتم سليمان لتحقق بين عشية وضحاها ما تعذّر عليها تحقيقه في ولاية كاملة؟ ولماذا يتفتق ذكاء أحزاب الأغلبية عن هذه “الحلول” في آخر لحظة، أي في آخر ساعة انتخابية، ولا يتفتق عنها وهي تمتلك فعلياً أدوات التشريع والميزانية طوال خمس سنوات؟ وإذا كانت هذه الحلول ممكنة فعلاً، فلماذا لا تُفعَّل فوراً فيما تبقى من الولاية الحالية، بدل تأجيلها إلى وعد انتخابي معلّق على نتيجة صندوق الاقتراع؟
السؤال يزداد إحراجاً حين يُقارن التردد إزاء المتقاعدين بالجرأة التي أبدتها الحكومة نفسها في ملفات أخرى: فحين تعلق الأمر بدعم مهنيي استيراد اللحوم الحمراء لتخفيف أزمة الأسعار، لم تتردد الحكومة في اتخاذ إجراءات دعم الاستيراد وتعليق بعض الرسوم الجمركية، رغم أن الأزمة تلك حمت فاعلين اقتصاديين أصحاب نفوذ تفاوضي واضح. فأين هذه الجرأة نفسها حين يتعلق الأمر بصناديق التقاعد التي تستثمر مدخرات المتقاعدين أنفسهم في مشاريع كبرى بنسب فائدة هزيلة لا تعكس القيمة الحقيقية لتلك الأموال؟ لماذا لا تُسنّ نصوص تشريعية توازي في قوتها وسرعتها ما اعتمدته الأغلبية البرلمانية أخيراً في مشروع قانون المالية لدعم مصاريف بعينها، بحيث تُلزم صناديق التقاعد بعائد أعدل وأكثر شفافية على أموال هي، في نهاية المطاف، أموال المتقاعدين لا الحكومة؟ أم أن الجرأة السياسية تخضع، في العمق، لمبدأ غير معلن يفرّق بين القوي الذي يُستجاب لمطالبه بسرعة، والضعيف الذي تُسوَّف مطالبه إلى “استحقاق قادم”؟
وهناك بعد قانوني دقيق يكشف حجم هذا التمييز: فالفصل 44 (المعروف بصيغته المكمّلة) من نظام المعاشات المدنية ينص صراحة على أن كل زيادة تطرأ على الراتب الأساسي (المرتب الأساسي) المخصص للدرجة والسلم اللذين كان ينتمي إليهما الموظف عند إحالته على التقاعد، تُضاف تلقائياً إلى معاشه. بعبارة أخرى: القانون نفسه يفترض أن معاش المتقاعد يتحرك تبعاً للرقم الاستدلالي مرتبط بالراتب الأساسي لزملائه النشيطين في نفس الدرجة. لكن الحكومة، بدل تفعيل هذا الفصل كما تنص روحه، دأبت خلال السنوات الأخيرة على تمرير أغلب الزيادات في أجور الموظفين النشيطين عبر “تعويضات” قطاعية أو ظرفية لا تدخل في حساب الراتب الأساسي ولا في الرقم الاستدلالي، وبالتالي لا ينتفع بها المتقاعد أصلاً. وهذه الهندسة التقنية للزيادات، وإن بدت تفصيلاً محاسبياً، تشتغل عملياً كآلية تحايل ممنهجة تُفرغ الفصل 44 من مضمونه: فالدولة “تحرّك” أجور موظفيها النشيطين حين تشاء عبر التعويضات، لكنها “تجمّد” معاشات من أحيلوا على التقاعد لأن الزيادة لم تمسّ الراتب الأساسي الذي يتقاسمونه قانوناً مع من لا يزالون في الخدمة.
حين يُقارن موقف المغرب بمحيطه الإقليمي المباشر:
الجزائر: أقرت مطلع سنة 2026 زيادة في معاشات ومنح التقاعد تراوحت بين 10 و15 في المائة، بعد أن كانت قد ربطت أصلاً، منذ 2023، الحد الأدنى لمعاش التقاعد بالأجر الوطني الأدنى المضمون بحيث يرتفع تلقائياً كلما ارتفع هذا الأخير.
تونس: أقرت نهاية 2025 زيادة في الأجور والمعاشات تراوحت بين 5 و6.75 في المائة.
هذان بلدان لا يتفوقان على المغرب اقتصادياً بأي معيار تنموي معلن، ومع ذلك أقدما على مراجعة دورية أو استثنائية لمعاشات متقاعديهما، بينما بقي المعاش في المغرب – في حالات كثيرة موثقة من طرف هيئة المتقاعدين(ORCM)،  أنفسهم – على حاله الاسمي لأكثر من 27 سنة.
وإذا كانت بعض الأرقام المتداولة شعبياً تتحدث عن تأكل قد يصل إلى 45 في المائة من القدرة الشرائية للمتقاعد، فإن الإنصاف المنهجي يقتضي التمييز بين الانطباع والمعطى الرسمي: تشير معطيات بنك المغرب إلى أن المستوى العام للأسعار ارتفع بنسبة تناهز 15 في المائة فقط بين سنتي 2021 و2025، بعد أن بلغ التضخم ذروته عند 6.6 في المائة سنة 2022 و6.1 في المائة سنة 2023 قبل أن يتراجع إلى أقل من 1 في المائة سنة 2024 و2025؛ كما رصدت دراسات مستقلة انخفاضاً في القدرة الشرائية للأسر بنسبة قاربت 8 في المائة خلال سنتي 2023 و2024 وحدهما. هذه الأرقام الرسمية، رغم كونها أقل حدة من التقديرات المتداولة، تبقى كافية لتأكيد جوهر المشكلة: فمعاش جامد اسمياً منذ أكثر من ربع قرن لا يمكن أن يصمد أمام أي نسبة تضخم متراكمة، مهما كانت متواضعة. ويكفي أن يُقارن هذا الجمود بواقع الأسواق: فحين كان سعر كيلوغرام اللحوم الحمراء يتراوح بين 60 و70 درهماً قبل سنوات، أصبح اليوم، بحسب تقارير مهنية صادرة سنة 2026، يتراوح غالباً بين 130 و160 درهماً، أي ما يقارب ضعف أو أكثر، وينسحب المنحى نفسه على الزيوت والمحروقات والنقل والخضروات وباقي المواد الأساسية. فكيف يُعقل أن يُطلب من متقاعد الحفاظ على نفس “القدرة الشرائية” وهو يتقاضى نفس الرقم الاسمي منذ أكثر من 27 سنة، بينما تضاعفت كلفة أبسط حاجياته اليومية؟ حين تتحدث فئة المتقاعدين عن نفسها: خمس سنوات من التجاهل تسبق الوعود
قبل أي حديث عن الأرقام، ثمة واقعة تختصر طبيعة العلاقة بين الأحزاب الحاكمة وفئة المتقاعدين طوال الولاية المنقضية: هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM)، بصفتها إحدى مكونات الجسم التمثيلي المباشر لهذه الفئة، راسلت أغلب هذه الأحزاب والمركزيات النقابية، بل راسلت رئيسي الغرفتين التشريعيتين أنفسهما، فلم تتلقَّ رداً واحداً. لم يكن الأمر إذن غفلة عابرة أو سوء تقدير ظرفي، بل جدار صمت ممتد في الزمن، بناه الفاعلون الرسميون أنفسهم الذين يفترض أن مؤسساتهم قائمة أصلاً لتلقي هذا النوع بالذات من المذكرات والاستماع إليه. في إطار الدمقراطية التشاركية التي يؤطرها دستور المملكة 2011.
وحين تُقترن الوعود الانتخابية السخية اليوم بما ظلت الهيئة تطالب به طوال هذه المدة، يتضح أن لا شيء جديداً في المضمون: فمن خلال عدة مذكرات رفعتها هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM)،إلى رئيس الحكومة، طالبت الهيئة بالزيادة الفورية في قيمة المعاشات الحالية ورفع حدها الأدنى بما يضمن العيش الكريم، مع التنصيص صراحة على وجوب عدم ربط هذا المطلب بورش إصلاح أنظمة التقاعد؛ كما طالبت بتوسيع التغطية الصحية التكميلية وتبسيط الولوج إلى العلاج، وإحداث هيئة دستورية تهتم بوضعية المتقاعدين والمسنين بالمغرب، وإنشاء صندوق دعم خاص بأصحاب المعاشات الهزيلة والمصابين بأمراض مزمنة والأرامل، وإدراج بند قار في قانون المالية لتحيين المعاشات دورياً بدل تركها لرهينة القرار السياسي الظرفي، وفتح حوار وطني مسؤول ومباشر مع ممثليها، والإسراع في الإصلاح الهيكلي لأنظمة التقاعد باعتبار المتقاعدين ذاكرة الدولة ومصدر خبرتها. هذه المطالب – هي نفسها التي ظلت تُطرح على مكاتب المسؤولين أنفسهم دون أن تلقى جواباً.
والمفارقة الحقيقية ليست في غياب الجواب فحسب، بل فيما فعلته الحكومة حين أتيحت لها الفرصة المباشرة للرد: فمشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي صاغته ووافقت عليه بأصواتها الأحزاب المشاركة في الحكومة ذاتها، لم يتضمن أي إجراء مباشر يُحسّن قيمة معاشات هذه الفئة بعد أكثر من 27 سنة متواصلة من الجمود. والأدهى أن الحكومة لم تتجاهل الملف بصمت، بل اختارت تبريراً أشد إيلاماً: ربطه بمفاوضات إصلاح أنظمة التقاعد، وهو الربط الذي وصفته الهيئة نفسها بأنه “تغليط وربط لموضوعين لا علاقة مباشرة بينهما” – أي أن الحكومة استعملت ورش الإصلاح البنيوي، وهو مشروع طويل الأمد بطبيعته، كذريعة لتأجيل حق فوري ومستحق لا علاقة تقنية له بذلك الورش. بهذا المعنى، لم تُقصِ الأحزاب الحاكمة المتقاعدين عن حساباتها فحسب، بل حوّلتهم إلى بند مؤجل بقرار واعٍ، وهُرّب سلَفاً بذمة الحكومة المقبلة، وكأن كلفة أجرهم المالية “إرث كارثي” يُستحسن تمريره لغيرها بدل تحمّل مسؤوليتها في عقدها الانتدابي.
هذا السلوك يكشف قراءة الأحزاب الحاكمة لهذا الملف طوال خمس سنوات: فئة كبرى من كبار السن ومتوسطي الدخل وضعاف الدخل حُسبت كـ “عبء مالي” يُدار بالتسويف لا كحق مكتسب يُدار بالمسؤولية، رغم أن نفس هذه الأحزاب لم تتردد، بمجرد دخول السباق الانتخابي، في رفع سقوف رقمية تفوق أحياناً كل ما طالبت به هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM)، نفسها طوال سنوات. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن جدية الأرقام المعلنة فقط، بل عن مصداقية من يطلقها: كيف يُعقل أن يتحول “العبء المالي” الذي استحال تدبيره لخمس سنوات كاملة، والذي رُفضت حتى مجرد مراسلة أصحاب بشأنه، إلى وعد سخي بمجرد اقتراب صندوق الاقتراع؟ الجواب الأقرب إلى المنطق هو أن هذه الأرقام لم تُصغ استجابة لتحول حقيقي في الأولويات، بل كتعويض خطابي عن تقصير موثق ومعترف به من الهيئة المعنية نفسها، يُراد به تبييض حصيلة خمس سنوات من التغيب، لا فتح صفحة فعلية من الإنصاف.
ومن هذه الزاوية بالذات، لا يمكن قراءة الوعود الانتخابية الحالية بمعزل عن سجل الأحزاب الحاكمة في التعامل مع مطالب الهيئة: فحين تتطابق الأرقام المعلنة اليوم (3000 درهم كحد أدنى، على سبيل المثال) مع سقف ما كانت الهيئة تطالب به منذ سنوات دون رد، يصبح الاختبار الحقيقي لمصداقية هذه الأحزاب هو ما إذا كانت مستعدة أخيراً لفتح الحوار الوطني المباشر الذي رفضت حتى الرد عليه بالمراسلة، أم أن الرقم سيبقى، كما كان الحال طوال الولاية المنصرمة، أداة لكسب الوقت لا لتحمل المسؤولية.

 أين الأجيال القادمة من كل هذا الحساب؟
في خضم هذا الجدل كله – سقوف الأرقام، وصمت الأحزاب عن التمويل، وتجاهل مطالب هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM)، – يبقى هناك طرف غائب تماماً عن النقاش العمومي: الأجيال النشيطة اليوم، أي المشتغلون والمشتغلات الذين تُقتطع من أجورهم اشتراكاتهم الشهرية لتمويل معاشات المتقاعدين الحاليين، والذين سيصبحون بدورهم متقاعدي الغد. فكل وعد برفع معاش، إن لم يقترن بمصدر تمويل مستقل عن الصناديق نفسها، لا يُموَّل من فراغ، بل من نفس الكتلة المالية التي يفترض أن تضمن معاشات من هم اليوم في سن العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم. بعبارة أخرى: حين تعجز الأحزاب عن تحديد مصدر تمويل واضح لوعدها، فإن الافتراض الضمني – وإن لم يُصرَّح به – هو أن الفاتورة ستُسدَّد من احتياطيات صناديق تعاني أصلاً من هشاشة مالية معروفة، أي من حصة الأجيال القادمة في نفس هذه الصناديق.
هذا التغييب ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو صلب المشكلة: فأي زيادة تُمنح اليوم دون إصلاح هيكلي موازٍ للموارد لا تحل أزمة استدامة الصناديق، بل تُرحّلها وتُفاقمها، بحيث يجد جيل الشباب الحالي نفسه، بعد عقود من الاشتراك، أمام صناديق أكثر إنهاكاً وأمام احتمال تقليص المعاشات أو رفع سن التقاعد أو زيادة نسب الاقتطاع لتعويض ما استُهلك اليوم. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل تملك الأحزاب التي ترفع شعار الإنصاف تجاه المتقاعدين الحاليين، الجرأة نفسها لطرح الإنصاف بين الأجيال كشرط لأي إصلاح، أم أن حسابها الانتخابي يقف عند حدود من يحق له التصويت غداً، متجاهلاً من سيتحمل الفاتورة بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟ صمت البرامج عن هذا البعد يوحي بأن المعادلة انتخابية بحتة: كسب صوت الناخب الحالي، ولو على حساب مَن لا يزال بعيداً عن صناديق الاقتراع.
 هذا ما يتطلبه إصلاح جاد فعلاً
النقذ الموجه هنا ليس رفضاً لمبدأ تحسين وضعية المتقاعدين، فهي فئة تستحق فعلاً حماية اجتماعية أفضل بعد عقود من العمل والمساهمة. لكن المشكلة تكمن في تحويل قضية بهذا الحجم إلى مزايدة رقمية مجردة من سياقها المالي والمؤسساتي ومن صوت المعنيين بها أنفسهم. فالإصلاح الجاد لمنظومة التقاعد يفترض، في الحد الأدنى:
تقديم عرض واضح لمصادر تمويل أي زيادة مقترحة (موارد ذاتية للصناديق، مساهمة الدولة، إصلاح هيكلي في نسب الاشتراك…).
دراسة أكتوارية تحدد الأثر المالي للوعد على المدى الطويل، لا فقط في السنة الأولى من الولاية.
ربط الوعد بجدول زمني واقعي للتنزيل، بدل تركه رهين “الظروف” و”الإكراهات” بعد الانتخابات.
الاستجابة الفعلية لمطلب هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM)، بفتح حوار وطني مباشر مع ممثلي المتقاعدين، بدل اكتفاء باستعارة سقوفها الرقمية في الخطاب الانتخابي.
مقاربة صريحة للإنصاف بين الأجيال “متقاعدي الغد”.
في غياب هذه العناصر مجتمعة، تبقى كل الأرقام المعلنة – مهما بدت سخية أو متطابقة مع سقف مطالب الهيئة – مجرد عناوين تسويقية، أقرب إلى الوعد الانتخابي العابر منه إلى الالتزام السياسي القابل للمساءلة. فالمعادلة، كما بَيّنَها غياب المتناقضين الحاليين عن طاولة القرار رغم مراسلاتهم المتكررة دون رد، وغياب الأجيال القادمة عن أي حساب صريح لكلفة وعود لا يُعرف مصدر تمويلها. والمتقاعدون، الذين عبّروا بأنفسهم عمّا يريدونه بوضوح عبر هيئتهم التمثيلية، يستحقون أكثر من رقم مرفوع في برنامج انتخابي؛ كما يستحق الشباب النشيط اليوم ضمانة بأن ما يُقتطع من أجورهم لن يتحول إلى وقود لوعود انتخابية عابرة. الجميع، في النهاية، يستحق معرفة كيف ومتى وبأي ثمن سيتحقق هذا الرقم فعلياً على أرض الواقع، ومن سيدفع ثمنه بالضبط، وأن يكونوا طرفاً في تحديد ذلك، لا مجرد متلقين أو ممولين صامتين له .

“موعدنا الصناديق الانتخابية”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى