الهروب إلى الأمام وإعادة إنتاج “المختبر الاستعماري”: نقد الأيديولوجيا المعاصرة للتيار المتأمزغ وتفكيك أطروحة العداء الوطني
الدكتور عبدالسلام بامعروف : باحث في العلوم السياسية و القانونية

مقدمة
تشهد الساحة الفكرية والسياسية في المغرب المعاصر نقاشا محتدما حول مسألة الهوية، وهو نقاش يتجاوز في كثير من الأحيان حدود المطلب الثقافي واللغوي المشروع ليدخل في سياق التوظيف الأيديولوجي الصدامي. يبرز في هذا الإطار “التيار المتأمزغ” الراديكالي الذي يعتمد إستراتيجية “الهروب إلى الأمام” عبر صياغة سردية تاريخية موازية، تقوم على اتهام الحركة الوطنية والأحزاب السياسية التاريخية بـ”معاداة الأمازيغية” أصلا وجبلة.
يحاول هذا التيار تصوير رد الفعل الوطني ضد ظهير 16 مايو 1930 (المعروف تاريخياً بالظهير البربري) بأنه كان هجوما على الخصوصية الأمازيغية، وليس مقاومة للمخطط الاستعماري. يسعى هذا المقال إلى إثبات فرضية أساسية: إن الخطاب الراديكالي لهذا التيار ليس حداثة فكرية، بل هو صدى بنيوي ووريث شرعي لالسياسة البربرية التي نهجتها الإقامة العامة الفرنسية، بحيث إن اتهام هذا التيار بإحياء الظهير البربري لا ينصرف إلى النص القانوني الملغى، بل إلى “الروح” والأيديولوجيا التفكيكية التي أنتجت ذلك النص.
أولا. آلية “الهروب إلى الأمام”: شيطنة الحركة الوطنية وإعادة صياغة المظلومية
يمارس التيار المتأمزغ نوعا من المفارقة التاريخية (Anachronism) عبر إسقاط مفاهيم وصراعات اليوم على بيئة العمل الوطني في الثلاثينيات والأربعينيات. فالسردية المعاصرة لهذا التيار تدعي أن الحركة الوطنية أسست لمشروع إقصائي عروبي شطب الأمازيغية من التوصيف الهوياتي للمغرب.
إلا أن القراءة السياقية للتاريخ تؤكد أن حركة التحرر الوطني انطلقت من مبدأ “الجامعة الوطنية” لمواجهة الهيمنة الاستعمارية. لم يكن دفاع الحركة الوطنية عن العروبة والإسلام نابعا من رغبة في “إبادة” الثقافة الأمازيغية، بل كان استدعاء لأقوى الروابط المشتركة القادرة على صهر مجتمع مجزأ قبليا ومستهدف استعماريا في بوتقة “الأمة الحديثة”. إن هروب التيار المتأمزغ نحو شيطنة الأحزاب الوطنية يحاول التغطية على حقيقة تاريخية كبرى: وهي أن قادة المقاومة في كل المناطق الامازيغية كانوا يقاتلون للدفاع حوزة الوطن والدين، ولم يطرحوا أنفسهم يوما ككيان منفصل عن محيطهم المغربي الجامع.
ثانيا. تفكيك أسطورة “الظهير البربري كحامٍ للأمازيغية“
يزعم الخطاب المتأمزغ أن الظهير البربري كان مجرد اعتراف قانوني بالعرف الأمازيغية واحترام لخصوصيته القضائية. غير أن دراسة آليات “الدولة الاستعمارية” تفيد بأن تقنين الأعراف لم يكن خطوة علمية بريئة.
كان الهدف الحقيقي هو تفتيت السيادة القانونية للمغرب. فبدل أن يكون السلطان هو مصدر التشريع والقضاء لجميع رعاياه، سعى الاستعمار إلى عزل المناطق التي اصطلح عليها ببلاد السيبة قضائيا وجنائيا، وإخضاعها للقانون العسكري والجنائي الفرنسي. لم يكن الظهير تقديرا للأمازيغية و اعرافها، بل كان محاولة لنزع الصبغة الإسلامية والشرعية السلطانية عن جزء مهم من المجتمع المغربي، تمهيدا لدمجه الكامل في المنظومة الفرنسية، وهو ما يمثل ذروة سياسة “فرق تسد”.
ثالثا. من النص إلى السياسة: ماذا يعني “إحياء الظهير البربري” اليوم؟
عندما يوجه الفكر النقدي الوطني التهمة للتيار المتأمزغ بأنه “يحيي الظهير البربري”، فإن السطحية الأيديولوجية تدفع بهذا التيار إلى الرد بتبسيطية: “كيف نحيي نصا قانونيا ألغاه التاريخ؟”.
وهنا تكمن مغالطة كبرى؛ فالإحياء المقصود لا يستهدف المادة القانونية للظهير، بل يستهدف “السياسة البربرية” (La Politique Berbère) التي كانت التربة والمختبر السوسيولوجي الذي نفرع عنه الظهير. هذه السياسة التي صاغها رواد السوسيولوجيا الكولونيالية مثل روبرت مونتاني وموريس لافاي، ونفذها إداريون مثل جان باسكييه، قامت على ثلاث ركائز يعيد التيار المعاصر إنتاجها حرفيا:
1- أسطورة الصراع الصفري: الادعاء بأن المغرب مقسم بنيويا وثقافيا وعرقيا بين “عرب وافدين مسيطرين” و”بربر أصليين مقصيين”، وهو استنساخ لثنائية المخزن والسيبة الاستعمارية.
2- عزل الهوية عن محيطها الحضاري: السعي الحثيث لقطع الصلة بين الأمازيغية وبين عمقها الإسلامي والعربي والمغاربي، وتصوير الاندماج التاريخي الذي حدث على مر 14 قرنا كأنه “استعمار داخلي”.
3- النزعة الجهوية الانفصالية: استغلال التنوع اللغوي المحلي (تاريفيت، تمازيغت، تاشلحيت) لا كغنى وطني، بل كأدوات لبناء “غيتوهات” أيديولوجية تستغل لتمرير أجندات تضرب مفهوم الدولة الوطنية المركزية.
رابعا. المدارس البربرية و”النخبة المقطوعة الجذور“
تعتبر تجربة المدارس الفرنسية-البربرية (كمدرسة آزرو) الشاهد الأكبر على فلسفة تلك السياسة. أراد الاستعمار خلق نخبة أمازيغية تتحدث الفرنسية، وتجهل العربية، وتعتمد عرفا محليا مجردا من أي بعد كوني أو حضاري؛ نخبة تكون تابعة أيديولوجيا ووظيفيا للإدارة الاستعمارية.
التيار المتأمزغ الراديكالي اليوم يمثل الصدى المتأخر لهذه النخبة. فعندما يطالب بإقصاء التراث العربي الإسلامي للمغرب، وعندما يستقوي بالأطروحات الأنثروبولوجية الغربية الاستشراقية لإثبات وجود “شرخ وجودي” بين المغاربة، فإنه يمارس الدور نفسه الذي رسم لطلاب مدرسة آزرو عام 1944 قبل أن ينقلبوا على الإدارة الاستعمارية بفضل وعيهم الوطني. إنه تيار يهرب من واقع الانصهار المجتمعي المغربي إلى منظومة أفكار فرنسية الصنع، أُنتجت خصيصا لتفكيك وحدة الدول.
خلاصة
إن نقد التيار المتأمزغ من هذه الزاوية الأكاديمية لا يستهدف الثقافة أو اللغة الأمازيغية، فالأمازيغية ملك لجميع المغاربة دون استثناء، وهي عصب الهوية الوطنية وضامنة تنوعها. بل إن النقد يتوجه بالأساس إلى “الأيديولوجيا المتأمزغة” باعتبارها وعياً زائفاً يهرب إلى الأمام عبر تزييف سياقات التاريخ وشيطنة الرموز الوطنية.
إن هذا التيار، بتبنيه لأطروحات الانقسام والعداء، لا يقدم مشروعاً حداثياً للتعددية، بل يسقط في فخ إعادة إنتاج “السياسة البربرية” لفرنسا الاستعمارية. والوعي المعرفي اليوم يتطلب كشف هذا الامتداد الأيديولوجي، والتأكيد على أن الأمازيغية والعروبة في المغرب ليسا مشروعين متصارعين، بل هما وجهان لعملة حضارية واحدة صهرها التاريخ وتوجها كفاح المغاربة المشترك من أجل الحرية والوحدة.




