رأي

علال الفاسي: قامة في معترك التاريخ… بين إنصاف العقول وجحود الغاوين .

مصطفى بن عمور استاذ باحث

مقدمة:

ليس التاريخ سجلاً للحوادث، بل هو ميزان للأمم، توزن فيه الرجالُ بأعمالهم لا بأقاويل خصومهم. وفي كل أمة رجالٌ يصنعون مجدها لا بالكلام، بل بالبذل والتضحية. ومن هؤلاء في المغرب الحديث، العلامة المفكر المجاهد علال الفاسي (1910-1974)، الذي كان بحق واحداً من أعمدة الحركة الوطنية، وأبرز من كرس حياته للدفاع عن استقلال المغرب ووحدته وهويته. غير أن الغريب في زمنٍ تطغى فيه القراءات الإيديولوجية الضيقة على المنهج العلمي، أن تسعى أصواتٌ للانتقاص من رجال الحركة الوطنية وتشويه صورهم، وخاصة علال الفاسي، وتنسب إليهم ما هم منه براء. وهذا يتطلب وقفة جادة لاستعادة سيرته كما هي، بعيداً عن المزايدات والتشويه.

النشأة والتكوين:

وُلد علال بن عبد الواحد الفاسي الفهري في الثامن من محرم سنة 1328هـ، الموافق للعشرين من يناير 1910م، في مدينة فاس، في أسرة عريقة في العلم والفضل، هاجرت من الأندلس إلى المغرب. وكان والده مفتياً عالماً، فحرص على تعليمه حرصاً شديداً. حفظ القرآن الكريم، وتتلمذ على شيوخ القرويين الأجلاء، أمثال العلامة محمد بن العربي العلوي، وأبي شعيب الدكالي، والحسين العراقي. لكنه لم يقتصر على العلوم الشرعية، بل توسع في التاريخ والأدب والفلسفة، وبرع في الشعر والمقالة السياسية، فجمع بين أصالة العلم وحداثة الفكر وبعد الرؤية . وقد شكلت هذه الخلفية العلمية المتينة ركيزة أساسية في مشروعه الوطني؛ إذ لم يكن مجرد سياسي ظرفي، بل كان مفكراً مؤسساً يعي أن بناء الوطن لا يتم بمعزل عن بناء العقول.

المشروع الفكري:

يمكن قراءة المشروع الفكري لعلال الفاسي من خلال محطات رئيسية، أولها كتابه الشهير “النقد الذاتي”، الذي كتبه سنة 1949 عندما كان مقيماً في القاهرة، وصدر سنة 1952م. ففي هذا الكتاب، تجرأ الرجل على مراجعة الذات العربية والإسلامية في لحظة كانت الأمة بأمس الحاجة إلى التشخيص الدقيق لدوائها. إنه كتاب شجاع يضع الإصبع على الجرح، ويدعو إلى إصلاح الخلل من الداخل، دون أن يعني ذلك التخلي عن الثوابت أو التنازل عن الهوية، بل قدم فيه رؤية سياسية تقوم على مبدأ العدل والعدالة الاجتماعية.

أما في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها”، فقد أسس لرؤية متكاملة تجمع بين الدين والسياسة، وبين الأخلاق والدولة. لقد رأى أن غاية السياسة ليست السلطة، بل إقامة العدل وتحقيق المصالح العامة، وأن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينجح ما لم يكن مستنداً إلى رؤية أخلاقية وقيمية. وهنا تكمن عبقرية الرجل: فهو لم يفصل بين الدين والوطن، ولا بين العلم والعمل، بل جعل من الإسلام محركاً للنهضة، ومن الشريعة مصدراً للعدالة الاجتماعية.

العمل السياسي:

لم يكن علال الفاسي مفكراً في برج عاجي يهيم في خيالات فوق الواقع ، بل كان سياسياً محنكاً قاد الحركة الوطنية في أدق مراحلها. كان من مؤسسي حزب الاستقلال، وقاد نضالاً سياسياً مريراً ضد الاحتلالين الفرنسي والإسباني. بدأ نشاطه السياسي بتأسيس “كتلة العمل الوطني” سنة 1934، ثم اعتُقل سنة 1937 ونُفي إلى الغابون حيث قضى تسع سنوات، قبل أن يُفرج عنه عام 1941. لكنه لم يتزعزع، ولم يبدل مواقفه، حتى في أشد ظروف القمع.

وتميزت خطته الوطنية بالشمولية والواقعية. فهو لم ينظر إلى الاستقلال كغاية نهائية، بل كبداية لبناء دولة المؤسسات، وتحقيق التنمية، وتحرير الإنسان المغربي من كل أشكال التخلف. كما كان من أوائل المنادين بتحرير المغرب العربي كوحدة متكاملة، وبالوحدة العربية، إيماناً منه بأن استقلال الدول جزء من تحرر الأمة جمعاء. وإذا كان البعض يزعم اليوم أنه كان متشدداً أو متعصباً، فإن التاريخ يشهد أن الرجل كان وطنياً جامعاً، يسعى إلى توحيد كل المغاربة تحت راية الوطن.

في مواجهة حملات التشويه:

إن ظاهرة تشويه رموز الحركة الوطنية ليست جديدة، لكنها تأخذ اليوم أبعاداً أكثر خطورة. ومن أبرز ما يوجه لعلال الفاسي:

أولاً: اتهامه بالتبعية للاستعمار: وهذا من أبطل الباطل، فالرجل قضى حياته في النضال ضد الاستعمار، ونُفي وأُبعد وسُجن بسبب مواقفه، وكان من أوائل المطالبين بالاستقلال التام.

ثانياً: اتهامه بتهميش الأمازيغية: وهذا اتهام ظالم للرجل، لأنه كان يؤمن بوحدة المغرب وتعدد روافده، وكان يعتبر أن القوة الوطنية تكمن في وحدتها لا في تفتتها.

ثالثاً: اتهامه بالإسلام السياسي: وهذا خلط بين مفاهيم، فالرجل كان عالماً مجتهداً، يؤمن بدور الدين في الحياة العامة، لكنه لم يكن متشداً ولا متعصباً، وكان يدعو إلى الوسطية والاعتدال.

رابعاً: اتهامه بتعليم أبنائه اللغة الفرنسية: وهذه فريةٌ بليدةٌ لا تثبت أمام أدنى تمحيصٍ علمي أو تاريخي. ذلك أن مناهج التعليم في عهد الحماية كانت في جل المدارس بالفرنسية، ولم يكن أمام المغاربة من سبيل لتلقي العلم الحديث إلا من هذا الباب. فكان كل المغاربة، على اختلاف طبقاتهم ومواقفهم السياسية، يدرسون أبناءهم في هذه المدارس، وطنياً كان أو غير وطني، مقاومْاً أو مسالماً. فكيف يُلام علال الفاسي وحده على ما فعله كل المغاربة؟ وأيّ منطقٍ هذا الذي ينتقي رجلاً من بين أمةٍ بأكملها ليحمّله وحده تبعة عصرٍ بأكمله؟ إن هذا ليس نقداً، بل هو هوىً في ثوب موضوعية. ولو أنصفوا، لعلموا أن الرجل كان يؤمن بأن إتقان اللغات الأجنبية باب من أبواب النهضة، لا تنازلٌ عن الهوية، وأن الأمم القوية هي التي تُتقن لغات غيرها دون أن تذوب فيها. وقد حفظ لنا التاريخ أن علال الفاسي نفسه كان ضليعاً في اللغة الفرنسية، يستخدمها في المخاطبات السياسية والمفاوضات الدولية، لكنه لم يكتب بها فكراً ولا أدباً، بل ظلّ قلمه العربي ناطقاً بلسان أمته، وفكره الشرعي حاملاً لتراثها.

علال الفاسي في محكمة التاريخ

إن الحكم على رجال التاريخ يحتاج إلى إنصاف، وإلى وضعهم في سياقهم الزمني والمكاني، وإلى قراءة إنتاجهم الفكري والنضالي ككل. وعلال الفاسي، حين ننظر إلى مجمل عطائه، نراه قامة فكرية وسياسية نادرة، جمعت بين العلم والعمل، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين الوطنية والقومية. لقد أسس حزباً، وصاغ وثائق، وقاد نضالاً، وألف كتباً، وأثر في أجيال، وظل مخلصاً لمبادئه حتى وفاته في 13 مايو 1974 ببوخارست.

خاتمة:
إن محاولات تشويه تاريخ علال الفاسي، وغيره من رجالات الحركة الوطنية، هي محاولات يائسة لإعادة كتابة التاريخ وفق أهواء ضيقة وأغراض دنيئة . لكن التاريخ ليس ورقة بيضاء تُكتب كيفما شاء الكاتبون، بل هو حقيقة شهدتها الأجيال، ووثقتها الوثائق، وصانها الوعي الجمعي للأمة. فليعلم من يسعون لتشويه صورة علال الفاسي أن هذا الرجل باق في وجدان المغاربة، وأن جهوده باقية في مؤسسات الدولة وفي الذاكرة الوطنية. وعلال الفاسي، كما قال عنه من عاصره وعرفه، كان “مفكر المغرب وضميره”، وهذا اللقب لا يمنحه أحد، بل تمنحه الأيام والأعمال، وستظل الأيام خير شاهد على عظمته وخلوده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى