رأي

بنت الصالحين في قفص الأرقام

أي حكومة ستولد من رحم 97 مقعداً؟

عبدالعزيز رجاء : باحث ، فاعل جمعوي

دخل المغرب، منذ 29 شتنبر 2026، مرحلة سياسية جديدة بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بـ97 مقعداً. وبذلك أصبحت، وفق البلاغ الرسمي، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، في محطة غير مسبوقة في الحياة السياسية الوطنية.
غير أن التاريخ وحده لا يصنع حكومة. فاللحظة الرمزية انتهت بمجرد صدور قرار التعيين، لتبدأ أخرى أصعب منها: فالـ97 مقعداً، وهي أقل من ربع مقاعد مجلس النواب (395)، لا تكفي للحكم، إذ تتطلب الأغلبية المطلقة 198 نائباً على الأقل. فكيف ستشكل المنصوري أغلبيتها؟ ومن سيجلس إلى جانبها حول طاولة الحكومة؟ وكيف سيتم التوافق على برنامج محدد؟
97 مقعداً… قصة تحالفات
تضع النتائج النهائية الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، فيما حصلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية وفيدرالية اليسار الديمقراطي على 8 مقاعد لكل منهما. هذه الأرقام تجعل مهمة المنصوري أشبه بلعبة شطرنج سياسية: فالتحالفات الممكنة حسابياً متعددة، لكن ليس كل تحالف ممكن حسابياً سيكون سهلاً سياسياً. ويمكن تصور ستة سيناريوهات رئيسية، تتراوح بين 199 و228 مقعداً، مقارنةً بعتبة الأغلبية المطلقة (198):
السيناريو الأول (207 مقاعد): إحياء «الكتلة». صيغة مختلفة عن الأغلبية السابقة بأغلبية مريحة، ودلالتها السياسية أكبر من حسابها، إذ تجمع الأصالة والمعاصرة (97) مع الاستقلال (65) والاتحاد الاشتراكي (26) والتقدم والاشتراكية (19)، أي 207 مقاعد بفارق 9 عن العتبة، ومكونات بمرجعيات وتجارب مختلفة، يحيل بعضها إلى الذاكرة السياسية لما كان يعرف بالكتلة الوطنية والديمقراطية. لكن هل تستطيع هذه الأحزاب تحويل اختلافاتها إلى برنامج حكومي واحد؟
السيناريو الثاني (217 مقعداً): الحركة الشعبية بدل التقدم والاشتراكية. تضم الأصالة والمعاصرة (97) والاستقلال (65) والاتحاد الاشتراكي (26) والحركة الشعبية (29)، أي 217 مقعداً بفارق 19 عن العتبة، فتمنح المنصوري أغلبية أريح وهامشاً برلمانياً أوسع، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤال الانسجام السياسي؛ فكلما اتسع الائتلاف ارتفع ثمن إرضاء مكوناته، وصار توزيع الحقائب والتوافق على البرنامج الحكومي أصعب أحياناً.
السيناريو الثالث (210 مقاعد): تركيبة أخرى بلا أحرار. تضم الأصالة والمعاصرة (97) والاستقلال (65) والحركة الشعبية (29) والتقدم والاشتراكية (19)، أي 210 مقاعد بفارق 12 عن العتبة، وهي تضع المنصوري أمام خيار واضح: حكومة واسعة متعددة الألوان السياسية، أم حكومة أصغر بعدد أقل من الوزراء وبرنامج أكثر تجانساً؟ والسؤال لا يتعلق بعدد الوزراء فقط، وإنما بقدرة الحكومة على اتخاذ القرار دون أن تتحول الخلافات داخل الأغلبية إلى فرامل سياسية.
السيناريو الرابع (199 مقعداً): أضيق أغلبية ممكنة. تقوم على الأصالة والمعاصرة (97) والاستقلال (65) والحركة الشعبية (29) وتحالف اليسار (8)، أي 199 مقعداً؛ أغلبية متحققة حسابياً، بمقعد واحد فقط فوق عتبة الأغلبية المطلقة، لكن هل يكفي مقعد واحد لضمان الاستقرار الحكومي؟ إن حكومة تستند إلى 199 نائباً ستكون مطالبة بدرجة عالية من الانضباط والتماسك، لأن أي خلاف أو غياب أو انسحاب عدد محدود من النواب عند التصويت على القوانين الأساسية وقانون المالية والملفات السياسية الكبرى قد يحول الأغلبية العددية إلى وضعية حرجة. وهنا تبرز قاعدة أساسية في تشكيل الحكومات: الأغلبية العددية لا تعني بالضرورة أغلبية سياسية مستقرة، فالمعادلة تتعلق أيضاً بمدى انسجام مكونات التحالف وقدرتها على تدبير الخلافات والحفاظ على تماسك الأغلبية.
السيناريو الخامس (215 مقعداً): أغلبية يسارية أوسع. تضيف إلى الأصالة والمعاصرة (97) والاستقلال (65) والاتحاد الاشتراكي (26) والتقدم والاشتراكية (19) تحالف اليسار (8)، أي 215 مقعداً بفارق 17 عن العتبة، وتمنح مكونات اليسار حضوراً مهماً داخل الحكومة، لكنها تحتاج إلى تسوية واضحة بشأن الملفات الاقتصادية والاجتماعية، لأن الاختلافات بين هذه الأحزاب ليست شكلية. ومع ذلك تظل صيغة سياسية مختلفة عن الحكومة السابقة.
السيناريو السادس (228 مقعداً): الأكثر وضوحاً حسابياً. يأتي في آخر القائمة لا في أولها: الأصالة والمعاصرة (97) + الأحرار (66) + الاستقلال (65) = 228 مقعداً، أغلبية مريحة بفارق 30 مقعداً عن عتبة 198. وهي الصيغة التي تُبقي جزءاً كبيراً من هندسة الأغلبية السابقة مع تغيير الحزب الذي يرأس الحكومة، ومن هنا يبدأ السؤال السياسي الأصعب: هل كانت انتخابات 23 شتنبر مجرد تغيير لون وجنس رئيس الحكومة؟ وإذا كان شعار الأصالة والمعاصرة هو «تغيير المسار»، فإن إعادة إنتاج الأغلبية السابقة، ولو بقيادة جديدة، ستحتاج إلى جواب مقنع أمام الرأي العام. وفي المقابل، لم تعلن رئيسة الحكومة المعينة «خطوطاً حمراء» في مشاورات التحالف، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام أكثر من صيغة، بما فيها الأحرار والاستقلال.
ويلاحظ حضور الاستقلال في السيناريوهات الستة كلها، في مقابل غياب الأحرار عن خمسة منها، ما يجعل موقع هذين الحزبين في التفاوض حاسماً.
العدالة والتنمية: الباب المغلق ومعارضة بـ54 مقعداً
يبقى حزب واحد خارج لعبة تشكيل الحكومة هو العدالة والتنمية. فالحزب، بعد عودته القوية من 13 إلى 54 مقعداً، اختار رسمياً المعارضة، واعتبر أن دخوله حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة سيكون متناقضاً مع خطه السياسي وممارسته خلال السنوات الماضية. وغيابه لا يغيّر الحسابات، إذ لا يحتاجه أي سيناريو من السيناريوهات الستة، لكنه يغيّر المناخ السياسي؛ فالمنصوري لن تواجه معارضة صغيرة، بل كتلة من 54 نائباً، من بينهم أسماء ذات تجربة برلمانية وسياسية. وهو الحزب الذي خرج من انتخابات 2021 بـ13 نائباً فقط وأحدث مع ذلك نقاشاً عاماً داخل قبة البرلمان وخارجها، فكيف سيكون بعد أن رفع عدد مقاعده إلى 54 ووجوه تمتلك القدرة على المناورة والحوار النقدي البناء وعلى مساءلة الحكومة في ملفات اجتماعية واقتصادية وقانونية؟
فالمعارضة المقبلة لن تكتفي على الأرجح بانتقاد الحكومة في العموم، بل ستضع الوعود الانتخابية للأصالة والمعاصرة تحت المجهر: كل وعد انتخابي، وكل تأخير في تنفيذ إصلاح، وكل شبهة تضارب مصالح سيصبح مادة للمساءلة وللأسئلة البرلمانية. وهذا في النهاية جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، وربما كان أكبر تحدٍّ سياسي أمام المنصوري: فالمعارضة هذه المرة لن تكون نزهة.
أول اختبار: المتقاعدون والأجور والمحروقات وغيرها…
إذا كانت الحكومة الجديدة تريد فعلاً «تغيير المسار»، فإن ملف المتقاعدين سيكون من أول الاختبارات. ليس لأن المتقاعدين كتلة انتخابية فقط مهمشة ومقصية، وإنما لأن ملف التقاعد أصبح عنواناً واضحاً للعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية والإنصاف بين الأجيال. والسؤال الذي ينتظر جواباً: هل ستكون هناك زيادة فعلية وفورية في معاشات المتقاعدين الحاليين؟ وهنا يجب التفريق بين ما وعد به الحزب وما تطالب به هيئات المتقاعدين. فقد تحدث برنامج الأصالة والمعاصرة الانتخابي عن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وعن رفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى. لكن المتقاعد لا يريد وعداً انتخابياً جديداً، بل قراراً يظهر في حسابه البنكي.
كما ظهرت خلال الحملة الانتخابية مواقف وتصريحات مختلفة حول مبلغ 5000 درهم، وهو ما يستوجب من الحكومة المقبلة أن تقدم موقفاً رسمياً من رفع السميك إلى هذا المبلغ، وإذا كانت القدرة الشرائية من أولويات الحكومة الجديدة، فإن أسعار الوقود ستعود إلى الواجهة، ومعها ملف تسقيف المحروقات الذي لم يمت. ولن يكفي أن تقول الحكومة إن الأسعار مرتبطة بالسوق الدولية، بل عليها أن توضح كيف تتحدد الأسعار، وما هامش كل حلقة من حلقات السوق، وما آليات المنافسة، وماذا تستطيع الدولة أن تفعل عندما ترتفع الأسعار بشكل يضغط على النقل والغذاء ومعيشة الأسر. فالناخب يريد أن يرى أثر السياسة في جيبه، لا في البيانات الحكومية فقط. ويمتد السؤال إلى الأسواق عموماً: من يتحكم في بعض مراحل الإنتاج أو الاستيراد؟ ولماذا تصل بعض المنتجات إلى المستهلك بأسعار مرتفعة رغم انخفاض أسعارها في بعض مراحل الإنتاج أو الاستيراد؟ ومن يستفيد من الفارق؟ وكيف ستراقب الدولة الأسواق؟ هذه الأسئلة ستحدد مدى جدية شعار محاربة «الفراقشية» والمضاربة، فالمواطن لا يريد حكومة تتحدث عن المشكلة بقدر ما يريد حكومة تمسك بها من جذورها وتحلها. فالمسألة ليست تقنية فقط، بل جزء من العقد السياسي الذي تشكل خلال الحملة. لذلك فإن تحول هذه الوعود إلى إجراء فعلي، ببيان واضح للجدول الزمني ومصادر التمويل، فستكون الحكومة قد انتقلت مبكراً من مستوى الخطاب الانتخابي إلى قلب أكثر القضايا الاجتماعية حساسية. فالوعود لا تموت بعد الانتخابات، بل قد يموت أصحابها انتخابياً.
ثم إن المنصوري ليست وافدة جديدة على الحكومة، فقد كانت وزيرة في الحكومة السابقة، وحزبها نفسه كان جزءاً من الأغلبية السابقة. ولذلك فإن السؤال المطروح عليها عاجلاً أم آجلاً: ما الذي ستغيره في الحكومة التي كانت جزءاً منها؟ وهو سؤال لا يستهدف شخصها، بل يتعلق بالمنطق السياسي: فإذا كانت المرحلة السابقة قد حققت إنجازات، فما الذي سيستمر؟ وإذا كانت هناك اختلالات، فمن سيتحمل مسؤولية تصحيحها؟ وإذا كان هناك «تغيير للمسار»، فما الملفات التي ستتغير؟
من «إسكوبار الصحراء» إلى امتحان الأخلاقيات
لا يمكن فصل المرحلة المقبلة عن الإرث السياسي الذي يحمله الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمته ملف «إسكوبار الصحراء» الذي ألحق بالحزب أضراراً بالغة بعد أن طال التحقيق والمتابعة القضائية أسماء بارزة مرتبطة به. ومن الضروري هنا عدم تحويل المتابعة القضائية إلى إدانة جماعية للحزب أو لجميع أعضائه؛ فالمسؤولية الجنائية فردية، والقضاء هو صاحب الاختصاص في تحديدها. غير أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تبقى على عاتق الحزب وعاتق من منح التزكيات، إذ ينتظر الرأي العام منه معايير صارمة في اختيار مرشحيه ومنتخبيه، وتدبير تضارب المصالح، والشفافية في تدبير المال العام. وبذلك يمكن أن يتحول الجدل السابق إلى فرصة لإعادة بناء الثقة.
تسلطانت: الأسئلة لا تعني الإدانة، والصمت ليس جواباً.
أما الجدل المرتبط بالأراضي في تسلطانت، الذي طال المنصوري وعائلتها، فقد تحول إلى واحد من الملفات التي رافقت صعودها إلى رئاسة الحكومة. والتعامل الصحيح معه يقتضي التمييز بين ثلاثة أشياء: الاتهام، والدليل، والحكم القضائي. فالمنصوري نفت ما اعتبرته معطيات غير صحيحة واتخذت مساراً قضائياً بشأن بعض ما نُشر حول الملف، ومن حقها الكامل أن تدافع عن نفسها. وفي المقابل، من حق الصحافة والرأي العام طرح الأسئلة حول تضارب المصالح والصفقات والعقار واستعمال النفوذ، ما دامت تستند إلى وثائق ومعطيات قابلة للتحقق. فالديمقراطية لا تقوم على إسكات الأسئلة، كما لا تقوم على تحويل الاتهام إلى حكم قضائي.
طنجة و«الصاك الانتخابي»:

السؤال أكبر من شخص. سيظل الجدل الذي رافق انتخابات طنجة وما عُرف إعلامياً بـ«الصاك الانتخابي» حاضراً في النقاش حول نزاهة الحياة الانتخابية. وهنا أيضاً يجب التمييز بين ما هو مثبت رسمياً وما انتهى إليه القضاء، وما هو ادعاء سياسي أو إعلامي. لكن الرسالة الأهم ليست في شخص أو حقيبة، بل في السؤال: هل تستطيع الحكومة الجديدة رفع مستوى الشفافية في الحياة الانتخابية والحزبية، واختيار المرشحين، والتمويل الانتخابي، وضبط تضارب المصالح واستعمال النفوذ، بحيث تصبح ملفات تخضع لمعايير أكبر وثابتة مهما تغيرت الحكومات؟
ما بعد التحالف…
السؤال الأصعب يبدأ بعد تشكيل الحكومة: من سيجلس إلى جانب المنصوري؟ لأن كل هذه الحسابات، مهما بدت حاسمة في هندسة الأغلبية وتشكيل الحكومة، لن تكون كافية وحدها لضمان نجاحها. فالمعادلة الحقيقية لا توجد فقط في آلة حاسبة البرلمان، وإنما في معاش المتقاعد، وأجر العامل، وسعر المحروقات، وفرصة الشغل للشاب، والقدرة الشرائية للمواطن، وثقته في المؤسسات، وشفافية القرار، وقدرة الحكومة على مواجهة تضارب المصالح وحماية المال العام.
ولذلك فإن السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق طاولة فاطمة الزهراء المنصوري لن يكون فقط «مع من ستتحالفين؟»، وإنما السؤال الأصعب: «ماذا ستفعلين بعد أن تتحالفي؟». فهناك تبدأ القصة الحقيقية للحكومة الجديدة؛ قصة قد تدخل بها التاريخ بوصفها أول حكومة في المغرب ترأسها امرأة، وقد تدخله أيضاً من زاوية أخرى، إذا استطاعت أن تجعل المواطن يلمس في حياته اليومية أن تغيير الخريطة السياسية لم يكن مجرد عنوان انتخابي، بل تحولاً فعلياً في السياسات والقرارات والنتائج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى