رأي

“رئيسة للحكومة ” هل نحاكم الجنس أم نقيس الكفاءة؟

عبدالعزيز رجاء : باحث ، فاعل مدني

تنبيــــه: “كاتب هذه السطور بصفته باحثاً في الشأن السياسي، لا متخصصاً في الفقه.”

أعاد الحديث عن تولي امرأة رئاسة الحكومة في المغرب فتح نقاش قديم يتجدد كلما وصلت امرأة إلى موقع سياسي متقدم هل الإشكال في كون المسؤول امرأة، أم في مدى امتلاكها للكفاءة والقدرة على تدبير الشأن العام؟ السؤال، في ظاهره، سياسي؛ لكنه سرعان ما ينتقل إلى المجال الديني والفقهي، خصوصاً مع استحضار الحديث النبوي: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » . غير أن التعامل مع هذا الحديث يقتضي، قبل إصدار الأحكام، العودة إلى سياقه، والتمييز بين النص النبوي وبين اجتهادات الفقهاء وتطبيقاتها التاريخية.

الحديث وسياقه الفقهي
يربط الحديث بسياق إخبار النبي بتولي ابنة كسرى حكم فارس، وهو ما دفع بعض العلماء إلى فهمه باعتباره متعلقاً بولاية الحكم العام، بينما ذهب آخرون إلى قراءات مختلفة في دلالته ومدى عمومه. وهنا تظهر إحدى أهم القواعد في التعامل مع النصوص : السياق لا يقل أهمية عن اللفظ، كما أن اختلاف العلماء في فهم النص لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يتعمد مخالفة الدين أو الانتقاص من المرأة. والفقه الإسلامي نفسه عرف نقاشاً واسعاً حول حدود مشاركة المرأة في القضاء والسياسة والإدارة والشهادة والتعليم وخطة العدالة وغيرها من المجالات، كما أن أحكاماً كثيرة ارتبطت بظروف اجتماعية ومؤسساتية كانت مختلفة عن واقع الدولة الحديثة.

لذلك، فإن اختزال المسألة في عبارة الإسلام يمنع المرأة من الحكم أو في المقابل، «لا يوجد أي خلاف فقهي في الموضوع لا يعكس حقيقة النقاش الفقهي بكل تعقيداته. لكن حتى إذا تجاوزنا الخلاف الفقهي، يبقى السؤال السياسي أكثر إلحاحاً: هل معيار اختيار رئيس الحكومة هو جنسه أم كفاءته؟
في الدولة الحديثة، رئيس الحكومة لا يعمل منفرداً، بل داخل مؤسسات دستورية، وحكومة وبرلمان وإدارة وقوانين واختصاصات محددة. ولذلك فإن تقييم أي مسؤول ينبغي أن ينصب على برنامجه وقدرته على التدبير، ونزاهة القرار، وفعالية السياسات العمومية، ومدى تحقيقها نتائج ملموسة للمواطنين. فالمرأة ليست ناجحة لمجرد كونها امرأة والرجل ليس ناجحاً لمجرد كونه رجلاً. والتاريخ السياسي في مختلف البلدان، يقدم نماذج لمسؤولين من الجنسين حققوا نجاحات وإخفاقات. وبالتالي لا يمكن تحويل الجنس إلى معيار مسبق للحكم على التجربة قبل أن تبدأ. كما أن المواطن لا يعيش بين دفتي كتب الفقه.

المواطن المغربي الذي يواجه ارتفاع نسب التضخم، والزيادة المتواصلة في الأسعار، وصعوبة الولوج إلى الشغل، وضغط تكاليف التعليم والصحة والسكن، وتآكل الأجور والمعاشات. لا يكفيه أن يعرف هل رئيس الحكومة رجل أم امرأة. هو يريد أن يعرف:

هل ستتحسن قدرته الشرائية؟
هل ستتوفر فرص شغل حقيقية له ولأبنائه؟
هل ستتحسن الخدمات الصحية والتعليمية؟
هل ستتم محاربة الفساد وتضارب المصالح؟
هل ستكون القرارات الحكومية شفافة وقابلة للمساءلة؟
هل سيحل ملف التقاعد. (بشقيه الزيادة الفورية والعادلة في المعاشات الحالية والرفع من الحد الادنى لها) ؟
هل ستكون القرارات الحكومية شفافة وقابلة للمساءلة؟
وهل ستستجيب السياسات العمومية للحاجات الفعلية للمغاربة، بمن فيهم المتقاعدون والفئات الهشة؟ هذه هي الأسئلة وغيرها هي التي تجعل النقاش السياسي أكثر جدوى من تحويل المنصب إلى معركة حول الجنس.

لا ينبغي أيضاً إلغاء النقاش الديني
لكن الانتقال إلى معيار الكفاءة لا يعني إلغاء السؤال الفقهي أو السخرية من الذين يطرحونه. في مجتمع مسلم مثل المغرب من الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالاً حول علاقة السياسة بالدين خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنصب سياسي مركزي. كما أن من حق العلماء والباحثين أن يناقشوا النصوص والاجتهادات المختلفة. غير أن النقاش الديني يحتاج إلى علم وهدوء وإنصاف، بعيداً عن التوظيف السياسي أو إطلاق الأحكام الجاهزة. فالخلاف الفقهي، عندما يكون مستنداً إلى اجتهاد معتبر، لا ينبغي أن يتحول إلى تخوين أو تبديع أو اتهام للآخر في دينه.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الجدل
في النهاية، لا ينبغي أن تتحول مسألة تولي امرأة منصباً سياسياً إلى غاية في حد ذاتها. فالمنصب ليس تكريماً لجنس، ولا انتصاراً أيديولوجياً على جنس آخر. إنه مسؤولية عامة. وأن الحكم الحقيقي على أي تجربة حكومية لا يكون من خلال هوية رئيسها فقط، وإنما من خلال حصيلتها: ماذا أنجزت؟ ماذا أخفقت فيه؟ كيف تعاملت مع المال العام ؟ ماذا فعلت تجاه البطالة والغلاء؟ وكيف تعاملت مع الحريات والعدالة الاجتماعية والتنمية؟
وهنا يصبح النقاش أكثر نضجاً: لا نسأل هل رئيس الحكومة رجل أم امرأة؟ بل نسأل عن ماذا سيفعل رئيس الحكومة؟ وبأي كفاءة؟ ولصالح من؟ وتحت أي رقابة ومساءلة؟ فالمغاربة لا يحتاجون إلى معركة بين الرجل والمرأة، ولا إلى مواجهة بين الدين والسياسة؛ وإنما يحتاجون إلى دولة قوية بمؤسساتها، وحكومة مسؤولة أمام المواطنين، ومسؤولين يُقاسون بما يقدمونه من نتائج لا بما يحملونه من صفات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى