التقاعد بين جرأة القرار وغيابه وبين منقد الأمس ومؤجل للغد
✍️ عبدالعزيز رجاء : الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب

ملف التقاعد: أبعد من الدفاع والهجوم
ليس من الإنصاف أن يُختزل النقاش حول التقاعد في الدفاع عن حكومة سابقة أو مهاجمة حكومة حالية. لكن الإنصاف نفسه يفرض أن نقارن بين حكومة واجهت أزمة الصندوق المغربي للتقاعد بقرار سياسي صعب، وحكومات جاءت بعدها وهي تعرف حجم الأزمة، ومع ذلك لم تستكمل الإصلاح الشمولي الذي ظل مؤجلاً لسنوات.
والأهم من ذلك كله أن ملف التقاعد لا يتعلق بالصناديق وحدها، ولا بالموظفين المقبلين على التقاعد فقط، وإنما يتعلق أيضاً بالمتقاعدين الحاليين الذين يعيشون اليوم على معاشات تآكلت قدرتها الشرائية، وبضرورة رفع الحد الأدنى للمعاش، وبضمان استدامة صناديق التقاعد في المستقبل.
عندما كان خطر استنزاف الاحتياطيات يقترب
قبل إصلاح 2016، لم تكن أزمة نظام المعاشات المدنية مجرد توقع نظري. فقد سجل الصندوق المغربي للتقاعد أول عجز تقني سنة 2014 بحوالي مليار درهم، ثم عجزاً مالياً سنة 2015 بلغ حوالي 2.6 مليار درهم، وكانت التوقعات تشير، في غياب الإصلاح، إلى عجز قد يتراوح بين 5.5 و6 مليارات درهم سنة 2016. ولذلك اعتبرت السلطات آنذاك أن التسريع بالإصلاح أصبح ضرورة. بل إن إدريس الأزمي، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية آنذاك، كان واضحاً في التحذير من خطورة التأخير، وقال إن الإصلاح لا يحتمل مزيداً من الانتظار، لأن التأخر يزيد صعوبة المعالجة. وكانت التقديرات تتحدث عن استنفاد احتياطيات الصندوق في أفق 2022.
الجرأة السياسية في إصلاح 2016
وهنا تحديداً تظهر الجرأة السياسية التي يجب الاعتراف بها، حتى من طرف من ينتقد مضمون إصلاح 2016. فحكومة عبد الإله بنكيران لم تقل: الملف معقد فلنؤجله. ولم تكتفِ بتشكيل اللجان. بل دخلت في مواجهة سياسية واجتماعية وتشريعية، ومررت إصلاحاً مقياسياً كانت له كلفة على الموظفين وعلى طريقة احتساب المعاش، من خلال:
رفع سن التقاعد إلى 63 سنة تدريجياً؛
رفع نسبة المساهمات إلى 28%؛
اعتماد متوسط أجر السنوات الثماني الأخيرة تدريجياً كأساس للاحتساب؛
تخفيض نسبة احتساب الحقوق الجديدة من 2.5% إلى 2% ابتداء من فاتح يناير 2017.
وفي المقابل، تم رفع الحد الأدنى للمعاش تدريجياً من 1000 إلى 1500 درهم.
نتائج الإصلاح وحدوده
والنتيجة المالية الأساسية كانت واضحة: تم تأخير أفق استنفاد الاحتياطيات من 2022 إلى 2031. وهذا لا يعني أن إصلاح 2016 كان كاملاً أو مثالياً، ولا أنه لم يحمّل الموظفين والمتقاعدين كلفة اجتماعية مهمة. بل إن الحكومة نفسها أقرت لاحقاً بأن الإصلاح المقياسي لم يكن كافياً، وأن الإصلاح الشمولي يظل ضرورياً.
وفي سنة 2017 تم التأكيد رسمياً على أن الإصلاح المعياري، رغم أثره الإيجابي على التوازنات، غير كافٍ، وأن المطلوب هو الانتقال إلى إصلاح شمولي لأنظمة التقاعد. وهي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش الجدي.
الأزمي وبنكيران: قرار صعب بدل ترك الأزمة للغد
يمكن للمتقاعدين والموظفين أن يختلفوا، وبحق، مع عدد من مضامين إصلاح سنة 2016، خصوصاً طريقة توزيع عبء المساهمات، ورفع نسبته، ورفع سن التقاعد، وتغيير طريقة احتساب المعاش. فليس من العدل، من وجهة نظر المتقاعدين والموظفين، أن تتحمل شريحة الأجراء والموظفين جزءاً كبيراً من كلفة إنقاذ نظام التقاعد، بينما يفترض أن تكون الدولة، باعتبارها الجهة المشغلة والضامنة لاستمرارية النظام، أن تتحمل هذه الكلفة لوحدها.فالموطف والأجير لاعلاقة له بإفلاس صناديق التقاعد مادام يساهم فيه ويرفع من احتياطاته. كما أن الدولة لا تستشير معه في استثمار مدخراته.ومع ذلك فهو يساهم بالتساوي مع الدولة كمشغلة. الأمر الذي يقارن مع أنظمة أخرى بالمغرب، مثل النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد RCAR، و الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS تطرح بوضوح مسألة عدالة توزيع الاشتراكات بين المشغّل والمنخرط، وتستحق أن تكون جزءاً من أي نقاش جدي حول الإصلاح الشمولي للتقاعد. وبالتالي، فإن انتقاد هذه الاختيارات باعتبارها مجحفة أو غير منصفة لا يعني إنكار ضرورة الإصلاح.
التمييز بين عدالة الإصلاح وضرورته
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
الأول: عدالة الإصلاح وكيفية توزيع كلفته.
والثاني: ضرورة اتخاذ القرار في مواجهة خطر مالي حقيقي ومعلن.
فقد كانت أمام حكومة عبد الإله بنكيران، وضمنها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية آنذاك إدريس الأزمي الإدريسي، أزمة محددة بأرقام وتواريخ، وكانت المؤشرات تحذر من اقتراب استنزاف احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد. واختارت الحكومة، رغم الكلفة السياسية والاجتماعية للإجراءات، أن تتحمل مسؤولية اتخاذ قرار صعب بدل ترحيل الأزمة إلى الحكومة التي ستأتي بعدها. وبلغة أبسط: يمكن أن نختلف مع طريقة إنقاذ الصندوق، لكن لا يمكن أن ننكر أنهم واجهوا خطر الإفلاس بإجراء فعلي، وبجرأة سياسية بدل الاكتفاء بتشخيص الأزمة وانتظار المستقبل.
مفارقة تستحق المساءلة
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تستحق أن تكون موضوع مساءلة اليوم: إذا كانت حكومة بنكيران قد امتلكت الجرأة السياسية لاتخاذ قرارات مؤلمة سنة 2016، فلماذا لم تتمكن الحكومات التي جاءت بعدها، رغم مرور سنوات وتوفر المعطيات والدراسات واللجان والحوار الاجتماعي، من الانتقال من الإصلاح المقياسي إلى الإصلاح الشمولي؟
لقد كان من حق الموظف والمتقاعد أن يعترض على كلفة الإصلاح وطريقة توزيعها، كما أن من حقه اليوم أن يطالب بتصحيح الاختلالات وإنصاف المتضررين. لكن ذلك شيء، والقول إن مواجهة الأزمة كان يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية شيء آخر. فالقرار الصعب أفضل من ترك الصندوق يقترب من حافة الانهيار دون تدخل.
أما التحدي الحقيقي اليوم، فهو ألا تكتفي الحكومة بالدفاع عن إصلاح 2016 أو انتقاده، وإنما أن تقوم بما لم يُنجز بعد: إصلاح شمولي وعادل ومستدام، يوزع كلفة التقاعد بشكل منصف، ويحمي حقوق المتقاعدين الحاليين، ويرفع الحد الأدنى للمعاش، ويضمن في الوقت نفسه استدامة الصناديق للأجيال المقبلة. وهذا هو الفارق الجوهري بين تحمل مسؤولية القرار وبين ترحيل الأزمة من حكومة إلى أخرى.
حكومة تعرف الأزمة: تشخيص واضح وقرار غائب
المفارقة أن الحكومة الحالية نفسها قدمت، في فبراير 2022، تشخيصاً شديد الوضوح للوضع. فوزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، وبحضور الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، عرضت أمام لجنة المالية بمجلس النواب وضعية أنظمة التقاعد، وأكدت أن احتياطات نظام المعاشات المدنية، التي كانت تبلغ آنذاك حوالي 70 مليار درهم، ستستنفد بحلول سنة 2028، وأن الصندوق سيحتاج بعد ذلك إلى حوالي 14 مليار درهم سنوياً لتمويل عجز النظام.
أي أن الحكومة كانت تعرف حجم المشكلة. وكانت تعرف حجم الاحتياطي. وكانت تعرف تاريخ الخطر. وكانت تعرف حجم التمويل المطلوب بعد استنزاف الاحتياطي. بل إن الوزارة نفسها قالت إن نسبة المساهمة الحالية، البالغة 28%، وسن التقاعد القانوني البالغ 63 سنة، لا يتركان هامشاً واسعاً لإصلاح مقياسي جديد.
من التشخيص إلى تفريخ اللجان: إصلاح عالق في الخطاب
إذن المشكلة لم تكن في غياب التشخيص. بل كانت في الانتقال من التشخيص إلى القرار. ومن الإصلاح إلى اللجان التقنية إلى لجان أخرى، في نفس الوقت، ظل الإصلاح الشمولي حاضراً في الخطاب الحكومي: تصور لنظام ذي قطبين، حكامة، استدامة، توافق، دراسات وعدة سيناريوهات لم يعلن عنها رسمياً. وصفها بعضهم بـ”الثلاثي الملعون”.
حيث أكدت نادية فتاح في فبراير 2025 أن الحكومة ملتزمة بالإصلاح الشمولي لأنظمة التقاعد في إطار منظومة القطبين، مع الحفاظ على حقوق المنخرطين والمتقاعدين وضمان الاستدامة المالية. وفي يوليوز 2025، كان ورش الإصلاح لا يزال مطروحاً أمام اللجنة الوطنية التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة.
وهنا يحق للمواطن، وبالأخص للمتقاعد، أن يسأل: كم نحتاج من السنوات الأخرى حتى يتحول الإصلاح من “ورش” إلى قانون؟ فالتقاعد ليس ملفاً يمكن أن يبقى إلى ما لا نهاية في غرفة الانتظار.
المتقاعد الحالي: الغائب الأكبر عن النقاش الرسمي
لكن أين موقع المتقاعد الحالي؟ هنا توجد نقطة كثيراً ما يغفلها النقاش الرسمي، وهي أن إصلاح التقاعد ليس إصلاح الصناديق فقط. إن إنقاذ الصندوق المغربي للتقاعد من الإفلاس ضروري. وإصلاح الحكامة ضروري. وتحقيق الاستدامة المالية ضروري.
لكن هناك أيضاً المتقاعد الحالي. ذلك المواطن الذي أدى مساهماته طوال سنوات العمل، ثم وجد نفسه اليوم أمام معاش فقد جزءاً من قدرته الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة. فهل المطلوب منه أن ينتظر الإصلاح الشمولي الذي قد يأتي أو لا يأتي؟ وإذا كان الإصلاح الشمولي سيحتاج سنوات أخرى، فمن يحمي القدرة الشرائية للمتقاعد اليوم؟
لهذا يجب أن يكون ملف التقاعد قائماً على ثلاثة مسارات متوازية:
المسار الأول: زيادة فورية وعادلة في المعاشات؛
لا يجوز أن يصبح إصلاح الصندوق ذريعة لتأجيل إنصاف المتقاعد. فيمكن للدولة أن تتخذ إجراءات مرحلية لتحسين المعاشات، خصوصاً للفئات ذات الدخل التقاعدي الضعيف، في انتظار الإصلاح الهيكلي الكامل. فالمتقاعد الحالي لا يستطيع انتظار عشر سنوات أخرى حتى تكتمل الدراسات. إنه يحتاج إلى معاش يكفيه اليوم، لا إلى وعد بمعاش أفضل غداً.
المسار الثاني: رفع الحد الأدنى للمعاش؛
إذا كانت الدولة تتحدث عن الحماية الاجتماعية والعيش الكريم، فإن الحد الأدنى للمعاش يجب أن يكون في قلب النقاش. والمفارقة أن حكومة بنكيران نفسها، وهي تمرر الإصلاح الصعب، أدرجت ضمن الإجراءات رفع الحد الأدنى للمعاش من 1000 إلى 1500 درهم بالنسبة لمعاشات القطاع العام، و1000 بالنسبة للقطاع الخاص. وقد استفاد من هذا الإجراء عشرات الآلاف من المتقاعدين.
ما هو الحد الأدنى اللائق للمعاش في مغرب 2026، بعد كل هذا التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة؟ لا يمكن أن نتحدث عن “كرامة حقيقية للمتقاعد” دون إعادة النظر في مستوى الحد الأدنى للمعاش، وذلك برفعه إلى 3500 درهم، ومنح أرامل المتقاعدين المعاش كاملاً.
المسار الثالث: إصلاح شامل لصناديق التقاعد؛
أما الإصلاح الهيكلي، فهو ضرورة لا خلاف عليها: من أجل صناديق مستدامة، وحكامة أكثر شفافية، وتدبير مالي فعال، ورؤية واضحة لمسؤولية الدولة والمشغل والمنخرط، وإصلاح يضمن حقوق الأجيال الحالية والمقبلة.
والصندوق المغربي للتقاعد نفسه يدبر أنظمة مهمة، منها المعاشات المدنية والعسكرية، وهو مؤسسة عمومية ذات استقلال إداري ومالي، وتقوم أنظمته الأساسية على مبدأ التوزيع، حيث تمول المعاشات من اقتطاعات المنخرطين ومساهمات الهيئات المشغلة. إذن لا يمكن أن يكون الإصلاح مجرد عملية محاسبية هدفها خفض العجز. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يحقق المعادلة الصعبة: صندوق مستدام + معاش عادل + حد أدنى كريم + حماية للحقوق المكتسبة.
حصيلة هزيلة بأثر لا يُرى
حتى لا يكون النقد انتقائياً، ينبغي الإقرار بأن الحكومة المنتهية اتخذت بعض الإجراءات التي مسّت المتقاعدين وأثّرت في وضعية الصندوق. غير أن الإنصاف نفسه يقتضي وزن هذه الإجراءات بميزان الأثر الحقيقي، لا بميزان العناوين البارزة.
أولاً: زيادات الأجور، وتأخير ظرفي للأزمة. أشارت وزارة الاقتصاد والمالية في 2025 إلى أن الزيادة في أجور موظفي القطاع العام، في إطار الحوار الاجتماعي، وفرت موارد إضافية لنظام المعاشات المدنية، وأخّرت أفق استنفاد احتياطياته بثلاث سنوات، من 2028 إلى 2031. لكنه تأخير ناتج عن تحسن الاشتراكات، لا عن إصلاح هيكلي. فالأزمة لم تُحل، وإنما أُجّل موعدها.
ثانياً: إدماج المتعاقدين، ترقيع بكلفة مؤجلة. أدمجت الدولة نحو 102 ألف من أطر الأكاديميات «المتعاقدين» في النظام العام للوظيفة العمومية، وألحقتهم بنظام المعاشات المدنية بعد أن كانوا منخرطين في النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR). وقد ضخ هذا الإدماج اشتراكات إضافية في الاحتياطي، فأسهم في تأخير أفق استنفاده، لكنه تأخير ظرفي لا يعالج الاختلال البنيوي، لأن هؤلاء المنخرطين الجدد يراكمون حقوقاً سيتحملها الصندوق مستقبلاً. وفي المقابل، تراجعت مساهمات RCAR وتفاقم عجزه التقني، أي أن الدولة سدّت ثغرة في صندوق بفتح ثغرة في آخر.
ثالثاً: الإعفاء الضريبي، «حق أريد به باطل». أشارت الوزارة إلى الإعفاء النهائي للمتقاعدين من الضريبة على الدخل، معتبرة أنه سيحسّن معاشات أكثر من 150 ألف مستفيد من نظامي المعاشات المدنية والعسكرية. غير أن هذا الإجراء لا يهم سوى 4% من المتقاعدين، أصحاب المعاشات المرتفعة، في مقابل أكثر من 96% لم تتحسن معاشاتهم بدرهم واحد. وبذلك يمكن القول إن هذا الإعفاء «حق أريد به باطل»: عنوانه الإنصاف، وحصيلته الفعلية أن من يتقاضى معاش أكثر يستفيد أكثر، ويُترك الآخرون للتسويف وانتظار الوعود. وتبقى هي إجراءات تُسجَّل ولا تُنكر، لكنها لا ترقى إلى مستوى الأزمة ولا إلى مستوى انتظارات المتقاعدين. فتأخير الإفلاس بسنوات ليس إصلاحاً، وإعفاء أقلية ليس إنصافاً.
إصلاح 2016 ليس شيك على بياض
ومن الإنصاف كذلك ألا يتحول الدفاع عن قرار 2016 إلى شيك على بياض لحكومة بنكيران. فالإصلاح كانت له كلفة حقيقية. فقد تم خفض نسبة احتساب الحقوق الجديدة من 2.5% إلى 2%، واعتماد متوسط السنوات الثماني الأخيرة، ورفع سن التقاعد، وزيادة في المساهمات، وكلها إجراءات أثرت على الموظفين وعلى المعاشات المستقبلية. ولهذا فإن المتقاعد أو الموظف الذي ينتقد تلك الإجراءات له كامل الحق في ذلك. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان الإصلاح المقياسي لسنة 2016 قد أنقذ النظام من خطر داهم وأخّر تاريخ استنفاد الاحتياطيات، فلماذا لم تستكمل الحكومات اللاحقة الإصلاح الشمولي المنتظر؟
خلف كل معاش أسرة: الإصلاح مشروع اجتماعي وأخلاقي
هنا تحديداً يجب أن تكون المساءلة. فخلف كل معاش متقاعد، وخلف كل متقاعد أسرة. ولهذا فإن إصلاح التقاعد لا ينبغي أن يكون مشروعاً مالياً فقط، بل مشروعاً اجتماعياً وأخلاقياً أيضاً.
أسئلة بانتظار الجواب
الأسئلة التي كان ينبغي أن يجيب عنها رئيس الحكومة أخنوش ووزيرة الاقتصاد نادية فتاح والوزير المنتدب لقجع، وتم تسويفها وتأجيلها.نعيد طرحها على رئيسة الحكومة “بنت الصالحين” التي تم تكليفها من طرف صاحب الجلالة نصره الله بتشكيل أعضاء الحكومة المقبلة للإجابة عليها:
ما الذي يمنع، بالتوازي مع الإصلاح الشمولي، اتخاذ إجراءات عاجلة لإنصاف المتقاعدين الحاليين؟
ما الذي يمنع رفع الحد الأدنى للمعاش؟
ما الذي يمنع وضع آلية واضحة لتحسين معاشات الفئات الأكثر تضرراً؟
ما الذي يمنع تحديد سقف زمني نهائي للإصلاح الشمولي؟
وما الذي يمنع إشراك المتقاعدين أنفسهم في النقاش حول مستقبل المنظومة التي عاشوا داخلها سنوات طويلة؟
فإذا كانت حكومة بنكيران قد تحملت كلفة سياسية كبيرة في مواجهة أزمة الصندوق سنة 2016، وحكومة أخنوش المنتهية ولايتها لم تتحمل المسؤولية الأخلاقية بإدارة الأزمة وقامت بتأجيلها. فإن آمال المتقاعدين والمتقاعدات معلقة على حكومة المنصوري لتحويل مطالبهم المشروعة إلى قرارات واقعية ملموسة لتحسين وضعياتهم المادية والمعنوية.
فملف التقاعد اليوم يحتاج إلى ثلاثة قرارات متزامنة لا قراراً واحداً:
إنصاف المتقاعد الحالي بزيادة عادلة وفورية.
رفع الحد الأدنى للمعاش إلى مستوى يحفظ الكرامة والقدرة على العيش.
إصلاح شامل ومستدام لصناديق التقاعد يحمي حقوق الأجيال الحالية والمقبلة.
سياسة التأجيل لا سياسة الإصلاح
أما أن يُطلب من المتقاعد أن ينتظر الإصلاح الشمولي، ثم يقال له إن الملف معقد، ثم يُحال إلى لجنة، ثم إلى حوار، ثم إلى دراسة، ثم إلى لجنة أخرى، فهذه ليست سياسة إصلاحية. إنها سياسة تأجيل.
لقد أثبتت تجربة 2016 أن القرارات الصعبة يمكن اتخاذها عندما تتوفر الإرادة السياسية. واليوم، المطلوب ليس تكرار إصلاح 2016، ولا العودة إلى الوراء، وإنما امتلاك الشجاعة السياسية لاستكمال ما بدأ، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وإنصاف من أفنى عمره في خدمة الدولة والمجتمع. فالوقت الذي كان ينبغي أن يُستعمل لإصلاح التقاعد، لا ينبغي أن يتحول إلى وقت إضافي لاستنزاف ثقة المتقاعد.
الصندوق يحتاج إلى الإنقاذ، والمتقاعد أيضاً يحتاج إلى الإنصاف. وهذه هي المعادلة التي لا ينبغي أن تضيع وسط الخطابات واللجان والوعود:
صندوق مستدام… ومتقاعد مكرَّم… ومعاش عادل.




